اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

اللواء الركن السابق الدكتور محمد خلف الرقاد : ضرورة بناء وتمتين الشراكات ومواجهة التهديدات والتحديات

اللواء الركن السابق الدكتور محمد خلف الرقاد : ضرورة بناء وتمتين الشراكات ومواجهة التهديدات والتحديات
أخبارنا :  

الحلقة الأولى

يعيش العالم في هذه الأيام ظروفًا سياسية واقتصادية واجتماعية مضطربة ومتقلبة الاتجاهات، والأمّرُ من ذلك أن الدول الموجودة في المنطقة متعددة المشارب متنوعة الاتجاهات ومختلفة السياسات، ومتقاطعة في الأهداف والمطامع والطموحات، لكن كلها تسعى لتحقيق هدف واحد يخدم مصالحها العليا ويحقق أهدافها دون تقديم أية تنازلات وربما تكون هناك بعض التنازلات التي لا تقدم ولا تؤخر، لا بل أن بعضها يسعى إلى تحقيق الهيمنة العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية والاقتصادية، وتريد أن تتوسع في نفوذها، لا بل أن بعضها ومن منطق الاستقواء تسعى إلى فرض آرائها على دول ذات سيادة من منطلق أنها تدافع عن أمنها الوطني أو القومي، وبعضها يخطط منذ زمن للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط برمتها... والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه في الظروف الحالية يتلخص في : «هل نحن في منطقة الشرق الأوسط نعيش حالة من التحولات السياسية والأمنية والعسكرية والإعلامية والثقافية « ؟، وخاصة تلك التي تتسم بالتسارع، بحيث لا يمكٍّن التحول المتسارع بعض الدول من الالتحاق بركب قطار التحول في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة ذلك التحول الذي يسعى لفرض السيطرة على البنى السياسية والعسكرية القائمة في ظل بيئة تخلط بين الحرب والسياسة، وبين التدمير والتفاوض، بالتأكيد أنها حالة غير مستقرة تُنْبي بفرض مساحات من الرعب والخوف من القادم المجهول، يضاف لذلك التداخل المذهل بين الصراعات الإقليمية والتنافس لا بل التناحر الدولي، وتصاعد الحروب غير التقليدية، وتصاعد التحديات السياسية والاقتصادية في ظل التنامي السريع لتأثير الإعلام الرقمي واشتعال الحروب الإعلامية إلى جانب حرب المعلومات التي بلغت دورًا مهمًا في تشكيل الرأي العام والتأثير على عمليات صنع القرارات السياسية والعسكرية.

وهنا وعلى الصعيد الأردني، فإن البيئة السياسية والعسكرية والاقتصادية تفرض على الأردن مجموعة مركبة من التحديات ذات الصلة بالأمن الوطني والاستقرار السياسي الداخلي الذي تعيشه بهدوء وأمن واستقرار منذ زمن بعيد، إلا ان الظروف الحالية بدأت تكشر عن أنيابها من خلال بروز ضغوطاتٍ اقتصادية، وتعمقٍ في بعض التداعيات الناتجة عن الأزمات الإقليمية التي تعيشها بعض الدول المحيطة مثل سوريا والعراق وفلسطين في ظل تصاعد تنافس دولي متصاعد في منطقة الشرق الأوسط.

أمام هذه البيئات المتشابكة إلى حد التعقيد، أصبح موضوع بناء شراكات متنوعة مع دول العالم ضرورة، وبخاصة على المستويات الاستراتيجية في المجالات السياسية والعسكرية والإعلامية بخاصة، بل يفرض نفسه بقوة على الواقع السياسي والعسكري والإعلامي، ذلك لأن الحفاظ على المصالح الوطنية العليا للدولة الأردنية ضرورة وطنية وليست خيارًا تكتيكيًا قد يمر بسرعة، حيث تشكل هذه الشراكات أدوات وعناصر قوة على درجة كبيرة من الأهمية على صعيد عناصر قوة الدولة، لكن هنا تجدر الإشارة إلى نقطة مهمة وهو أن تقوم هذه الشراكات على التكافؤ في تحقيق المصالح بين الدول دون مساس في القرارات السياسية والعسكرية والإعلامية السيادية، ذلك لأن الحفاظ على السيادة أهم من كل الشراكات رغم فوائدها الجمة التي تعود بالنفع على تعزيز المكانة الإقليمية والدولية للأردن، مثلما تدعم وتسند بقوة الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية، وتجعلها أكثر تماسكًا، كما تعمل على تعزيز الصورة الذهنية للدولة الأردنية لدى الجماهير المستهدفة ولدى الأشقاء والأصدقاء والحلفاء، على اعتبار أن النظام السياسي يتصف بمزيد من الحكمة والرشد، ولديه القدرة على التخطيط على المدى الاستراتيجي، ويعرف كيف يتعامل مع تطور التداعيات على كل الصعد السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية والثقافية وغيرها على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، ولديه الإمكانات الممتازة في الحفاظ على توازنات القوة والسياسة في المنطقة وفي العالم، وهذا يعود إلى المصداقية والثقة الدولية التي بناها النظام السياسي الأردني وعلى راسه القيادة الهاشمية الراشدة، وذلك على مدى أكثر من قرن ونيف منذ تأسيس إمارة شرق الأردن في عام 1921.

وإذا أرادت الدولة الأردنية تحقيق المزيد من الشراكات المتزنة المتوازنة، فان السؤال الذي يطرح نفسه بقوة وعفوية هو ماذا على الدولة أن تفعل ؟، وللإجابة على هذا السؤال في هذا المقال الأقرب لصيغة البحث العلمي يكون المطلوب على الفور القيام بتحليل معمق وشامل للبيئة المحيطة على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية، وتحديد التهديدات والتحديات والصعوبات القائمة الكامنة والمحتملة منها والظاهرة، وصياغة رؤية شاملة تحدد الفرص التي تمثل الاستجابة الحقيقية لحماية المصالح العليا للدولة الأردنية، وذلك وفقًا لتخطيط استراتيجي من قبل دوائر صنع القرار في الأردن يستند إلى أطر عملية للتنفيذ والتقييم، وتكون واضحة وشفافة.

البيئة السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط.

في الظروف الحالية تشهد منطقة الشرق الوسط تحولاتٍ استراتيجية عميقةَ، مما يشي بتغييرات في الاستراتيجيات والسياسات على المستويات الخارجية في الإقليم وفي العالم، وبخاصة على صعيد منطقة الشرق الأوسط التي تحفل بالتغييرات التي تحدث على الأرض، وأخرى تلوح في الأفق، وغالبًا فإن أسباب هذه التغييرات وبخاصة على الصعيد السياسي هو التراكمات التاريخية والتدخلات الخارجية والأزمات الاقتصادية، أما على الصعيد العسكري فإن مفهوم التحول يشير إلى تغيير في البُنى العسكرية، وتطورات في العقائد القتالية والعسكرية، واجتراح أساليب جديدة تمكِّن من إدارة الحروب والأزمات، بحيث تتم المحافظة على الأمن الوطني والأمن القومي للدولة على حدٍ سواء، وغالبًا ما ينتج هذا التحول عن وجود تهديدات وتحديات على الصعيد العسكري الأمني في ظل التنافس الدولي، مما يؤكد هنا أهمية انتباه الدولة لمثل هذه التهديدات والتحديات لتكثف مساعيها لتحقيق مستوىً من الردع كافٍ لحفظ أمن الدولة الوطني والقومي، لكن ثمة هناك علاقات بين التحولات السياسية والعسكرية، يمكن الإشارة إليها من خلال هذه المقالة بحيث تتلخص في عدة نقاط أبرزها :

تأثير السياسة على العسكرية. حيث إن القيادة السياسية هي التي تضع الأهداف السياسية العليا للدولة، وهي التي ترسم السياسة العسكرية التي تهدف إلى صياغة العقيدة الدفاعية، وكيف ترغب القيادة السياسية أن تكون الحالة المرادة للتركيبة العسكرية لتحقيق الأهداف السياسية العليا للدولة، وتحديد كيفية استخدام هذه القوات المسلحة، فالسياسات الدفاعية التي ترسمها السياسات العسكرية تشكل حلقة الوصل الأساسية التي تستند إليها ترجمة الأهداف السياسية بعيدة المدى إلى إجراءات وتدابير عسكرية على الأرض عند اللزوم، وهناك أنماط متعددة من هذه التأثيرات، لكن هذه المقالة ستركز على التحولات الاستراتيجية (الجيوسياسية ) التي لها تأثير مباشر على التخطيط الاستراتيجي العسكري بحيث يشمل التحالفات العسكرية بين الدول، فتلجأ الدول إلى الانضمام إلى تكتلات دفاعية معينة تخدم مصالحها أو تهدف إلى تغيير مصادر التسليح لأسباب ترتأيها القيادة السياسية والعسكرية، مما يجعل القوات المسلحة أكثر مرونة وخفة حركة وسرعة، حيث تشكل السرعة في الحركة وفي الحصول على المعلومة سلاحًا أساسيًا قبل المدفع والدبابة والطائرة والصاروخ، حيث أن الجيوش أصبحت أكثر فنًا وعلمًا.

وعودة لما يجري على الأرض ويلوح في الافق من التحولات السياسية والعسكرية العميقة في منطقة الشرق الأوسط والتي تركز على إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، مثلما تشهد البيئتان السياسية والعسكرية تصاعدًا لأدوار القوة غير التقليدية، وتزايدًا ملحوظًا ومكشوفًا للتدخلات الدولية في الملفات السياسية والعسكرية للدول والجيوش في الشرق الأوسط، بالإضافة لما يجري من اتفاقات ومشاورات وتحالفات من فوق الطاولة وتحتها ومواقف وسلوكيات دولية جديدة ذات طابع سياسي وعسكري واقتصادي وفني وتقني وفي أحيان أخرى ذات طابع خطير يتمثل في البعد السيبراني، حيث تفرض متطلبات الأمن الوطني التوسع في التخطيط ليشمل الأمن السيبراني والإعلامي والمعلوماتي.

أمّا على صعيد التنافس الدولي، فيُلاحظ أنّ منطقة الشرق الوسط قد أصبحت ساحة تنافس دولي بين القوى الدولية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، بالإضافة إلى بعض القوى الإقليمية الفاعلة مثل مصر وتركيا والسعودية وإيران وإسرائيل.

وعلى صعيد آخر فإن الأردن – في ظل الظروف الحالية - يواجه أشكالًا من التهديدات المركبة من نواحٍ متعددة، حيث يشكل التهديد الأمني والعسكري أبرزها على صعيد تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود، وكذلك توقعات تصاعد بعض التوجهات لدى آراء بعض الجماعات المتطرفة، بالإضافة إلى تداعيات الأشكال المتوقعة من الحروب الهجينة وغير النظامية، ومن هذه التهديدات والتحديات احتمالات توسع بؤر الصراع على الصعيد الإقليمي بعامة وفي مضيق هرمز بخاصة، وما يشهده من حصار أمريكي وإجراءات إيرانية في ظل تفاوض سياسي وعسكري لم تتبلور ملامحه بشكل نهائي لغاية هذه اللحظة، فكلما تقدم خطوة تعثر خطوات الى الوراء.

وهناك من التهديدات والتحديات السياسية التي تواجه الأردن تلك التي تتجسد في الضغوطات السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وهي كثيرة ومتنوعة، ويحاول القائمون عليها ممارسة المزيد من الضغوطات في اتجاهات مختلفة لفرض تأثيرات على القرار السياسي الوطني الأردني للتقليل من أهمية الدور الأردني في دعم القضية الفلسطينية، حيث تعتبر الاستراتيجية الوطنية الأردنية أن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني مصلحة عليا أردنية تصب في بوتقة العلاقات الأردنية الفلسطينية الوطيدة والمتماسكة، وفي إطار التحديات يمكن الإشارة إلى بعض الاستقطابات الإقليمية في الشرق الأوسط والتي تعيش حالات من المد والجزر كواحدة من التحديات التي قد تترك آثارًا غير مرغوب فيها على الأمن الوطني الأردني.

أما على صعيد الإعلام والاتصال الاستراتيجي والتعبوي (التكتيكي)، فإن أبرز هذه التحديات والتهديدات تتمثل في الحملات الإعلامية المعادية، وفي الإشاعات المغرضة التي تهدف إلى التأثير على سلامة الجبهة الوطنية، وتهدف إلى زرع بذور الاختلاف بين صفوف المجتمع الأردني بكل أطيافه وتوجهاته السياسية والاجتماعية المختلفة، وكذلك حملات التضليل الإعلامي التي تهدف إلى التشويش على الصورة الذهنية الأردنية في أذهان الأشقاء والأصدقاء والحلفاء، وكذلك بث الإشاعات المبرمجة والمنظمة من خلال استهداف إعلامي مبرمج ومسند ومدعوم من جهات خارجية لا ترغب في استمرار حالة الأمن والاستقرار في المملكة الأردنية الهاشمية.

وعلى صعيد التحديات الاقتصادية... فحدث ولا حرج فهي متعددة الأشكال والأنواع، ومعروفة، ومن أهمها أزمات الطاقة والمياه واللجوء والنزوح وارتفاع معدلات البطالة والمديونية.

القرّاء الفضلاء... إلى هنا نترككم برعاية الله لنستأنف الحديث مع حضراتكم في الحلقة الثانية القادمة التي ستعالج مفاهيم الشراكات السياسية والإعلامية الاستراتيجية بإذن الله.

* مدير التوجيه المعنوي الأسبق

وأستاذ العلوم السياسية

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك