د... عبد الحفبظ العجلوني : مذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية، بين هدنة الضرورة واستراتيجية الاحتواء
تبدو المنطقة اليوم أمام مشهد سياسي وأمني شديد التعقيد، مع تصاعد الحديث عن مذكرة تفاهم أمريكية ـ إيرانية يُفترض أن تؤسس لمرحلة تهدئة مؤقتة تمتد لنحو ستين يوماً، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع الانزلاق نحو مواجهة إقليمية مفتوحة. ورغم أن كثيراً من التفاصيل ما يزال محاطاً بالتسريبات والتقديرات أكثر من النصوص الرسمية المعلنة، إلا أن مجرد وصول الطرفين إلى هذه المرحلة يكشف حجم التحولات التي فرضتها الوقائع الميدانية والسياسية خلال الأشهر الأخيرة.
فما يجري لا يعكس تحولاً جذرياً في جوهر العلاقة بين واشنطن وطهران، بقدر ما يعبر عن إدراك متبادل بأن كلفة الصدام بدأت تتجاوز قدرة الأطراف على تحمل تبعاته. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الهائل، تدرك أن استمرار التوتر في الخليج وتهديد الملاحة في مضيق هرمز لا يمس فقط أمن المنطقة، بل ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، كما أن الانزلاق إلى مواجهة طويلة ومفتوحة مع إيران من شأنه أن يستنزف الموارد الأمريكية ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدولية.
وفي المقابل، تبدو إيران معنية هي الأخرى بالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوراقها الداخلية والإقليمية، في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة. فطهران تحاول أن تخرج من هذه المرحلة بصورة الطرف القادر على الصمود وفرض نفسه لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاوزه، دون أن تقدم في الوقت ذاته تنازلات جوهرية تمس بنيتها الاستراتيجية أو مشروعها الإقليمي. ولهذا تبدو المذكرة، إن صحت معظم التسريبات المتعلقة بها، أقرب إلى صيغة لإدارة الصراع لا لإنهائه، وإلى محاولة لخفض مستوى الاشتعال أكثر من كونها تسوية نهائية للخلافات العميقة بين الطرفين.
ومن هنا يمكن فهم حالة الحذر التي ترافق الحديث عن هذه التفاهمات. فالمعضلة الأساسية لا تكمن فقط في صياغة البنود، بل في انعدام الثقة المتراكم بين الجانبين منذ عقود. كما أن القضايا الجوهرية التي تشكل أصل الأزمة ما تزال قائمة، سواء ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، أو الصواريخ الباليستية، أو النفوذ الإقليمي المتشابك في أكثر من ساحة عربية. ولذلك فإن أي تهدئة، مهما بدت مهمة في المدى القريب، تبقى قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني أو سياسي.
أما إسرائيل، فهي تبدو الطرف الأكثر قلقاً من هذا المسار، لأنها تنظر إلى أي تهدئة أمريكية ـ إيرانية باعتبارها تجميداً للخطر لا إنهاءً له. فتل أبيب تخشى أن تمنح هذه الفترة إيران فرصة لإعادة ترتيب قدراتها وتعزيز مواقعها، ولذلك تصر باستمرار على الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية والاستخبارية، وتواصل الضغط باتجاه عدم تحويل التهدئة المؤقتة إلى مسار يخفف الضغوط عن طهران دون معالجة حقيقية لجذور التهديد من وجهة النظر الإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة تبدو أكثر ميلاً في هذه المرحلة إلى احتواء الانفجار ومنع اتساع رقعة الحرب، حتى وإن كان ذلك عبر تفاهمات مرحلية لا تحقق كامل المطالب الإسرائيلية. فواشنطن تدرك أن أي مواجهة شاملة قد تدفع المنطقة إلى فوضى يصعب التحكم بمآلاتها، خصوصاً في ظل تشابك الملفات الأمنية والاقتصادية والدولية المرتبطة بالخليج والطاقة والممرات البحرية.
وفي ضوء ذلك كله، تبدو الأسئلة الحقيقية مرتبطة بما بعد هذه الهدنة المؤقتة، لا بها فقط. فهل ستكون الستون يوماً بوابة لمسار تفاوضي أوسع قد يعيد فتح ملف التفاهمات النووية والأمن الإقليمي؟ أم أنها مجرد فترة تهدئة تكتيكية سرعان ما تنهار عند أول احتكاك؟ أم أن المنطقة تتجه نحو نمط طويل من "اللاحرب واللاسلم”، حيث تستمر التهدئات المؤقتة دون حلول جذرية، فيبقى التوتر قائماً تحت السطح بانتظار لحظة الانفجار التالية؟
وفي جميع الأحوال، فإن ما يجري اليوم يؤكد أن المنطقة لا تعاني فقط من أزمة عابرة، بل من غياب منظومة أمن إقليمي مستقرة وقادرة على احتواء الصراعات قبل تحولها إلى مواجهات مفتوحة. ولذلك فإن أي مذكرة تفاهم، مهما بلغت أهميتها، ستظل خطوة مؤقتة وهشة ما لم تتحول إلى مسار سياسي أوسع يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.