لارا علي العتوم : الاستقلال
في الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، لا نستعيد حدثاً تاريخياً مضى بل نستحضر تجربة دولة استطاعت أن تحافظ على توازنها واستمرارها، فثمانون عاماً مرّت، تبدّلت خلالها خرائط، وسقطت أنظمة، وواجهت دول كثيرة أزمات الضعف والانقسام، فيما بقيت المملكة قادرة على حماية دولتها ومؤسساتها وهويتها الوطنية، بنهج سياسي يقوم على التدرج، والاعتدال، والإيمان العميق بفكرة الدولة.
لا تكمن خصوصية هذا اليوم بالانتقال السياسي من مرحلة إلى أخرى فقط بل لأنه بداية مسار بناء المؤسسات وترسيخ مفهوم الدولة الحديثة، فأصبحت الدولة التي جعلت من الاستقرار قيمة مركزية ومن التنوع المجتمعي مصدر قوة، ومن الانتماء الوطني قاعدة جامعة، فالعزيمة الهاشمية ليست فقط بنيل الاستقلال بل بالقدرة على بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وصيانة العقد الوطني في مختلف الظروف، ففي هذا اليوم، يتجسد التلاحم بين القيادة الهاشمية والشعب بصورة تعكس عمق الانتماء الوطني والثقة المتبادلة والإيمان المشترك بمستقبل الوطن.
لقد نجح الهاشميون بصياغة نموذج سياسي وإداري نوعي، يقوم على التوازن بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات التحديث، وبين الحفاظ على الثوابت الوطنية والانفتاح على المستقبل. وفي عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، يتخذ مفهوم الاستقلال بعداً أكثر عمقاً فلم يعد مرتبطاً فقط بالسيادة السياسية، بل بقدرة الدولة على تحديث مؤسساتها، وتطوير اقتصادها، وتعزيز سيادة القانون، وبناء إدارة عامة أكثر كفاءة ومرونة، وقادرة على التعامل مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وفي قلب هذا المسار، تُشكّل القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية ركيزة أساسية في حماية الدولة وصون استقرارها، ليمنحنا الخامس والعشرون من أيار من كل عام مساحة للتأمل في معنى الدولة نفسها، الدولة التي نجحت في أن تبقى وأن تتطور، وأن تحافظ على إنسانها ومؤسساتها وقرارها الوطني.
فبعد ثمانية عقود من الاستقلال، لم يعد هذا اليوم مجرد ذكرى تاريخية، بل قصة دولة أتقنت فن البقاء، ونجحت في تحويل التحديات إلى جزء من هويتها الوطنية، ورسخت الاعتدال والاستقرار والوعي السياسي كعناصر ثابتة في سرديتها الحديثة.
حمى الله أمتنا
ــ الدستور