الأخبار

د. احمد الخصاونة : جامعة المغطس الحضارية بوابة السلام وروح الأردن الخالدة

د. احمد الخصاونة :  جامعة المغطس الحضارية بوابة السلام وروح الأردن الخالدة
أخبارنا :  

يُعدّ المغطس واحداً من أكثر المواقع الدينية والإنسانية أهمية في الأردن والعالم، ليس فقط لارتباطه العميق بالسردية المسيحية، بل لأنه يمثل شاهداً حياً على تلاقي الحضارات والأديان فوق أرض الأردن. فعلى الضفة الشرقية لنهر الأردن، وفي منطقة هادئة تتداخل فيها الطبيعة مع الروحانية، يقف هذا الموقع التاريخي بوصفه رمزاً للتسامح والتنوع الديني، ورسالة حضارية تؤكد مكانة الأردن كأرض للرسالات السماوية وملتقى للثقافات عبر العصور.

ولعل أبرز محطة في تاريخ الموقع الحديث تمثلت في إدراجه على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، وقد اعتُبر هذا الإدراج اعترافاً دولياً بأهمية الموقع، وبحق الأردن التاريخي والديني في احتضان هذا الإرث العالمي الفريد. ويتميّز الأردن في تعامله مع هذا الموقع بأنه لم يقدّمه بوصفه معلماً سياحياً فحسب، بل باعتباره رسالة إنسانية وروحية تعبّر عن قيم السلام والاعتدال والتعايش التي قامت عليها الدولة الأردنية منذ تأسيسها. فالمغطس اليوم يجسد صورة الأردن كدولة تحترم التعددية الدينية وتحافظ على الإرث الروحي للإنسانية، وهو ما ينسجم مع النهج الهاشمي القائم على تعزيز ثقافة الحوار والانفتاح وترسيخ مفهوم العيش المشترك بين الشعوب والأديان.

وقد أولى جلالة الملك عبد الله الثاني اهتماماً كبيراً بالمواقع الدينية والتاريخية في المملكة، انطلاقاً من إيمانه بأن الأردن يحمل رسالة حضارية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، إلى فضاء الإنسانية الجامعة. كما يبرز الدور المتنامي لسمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، في تجسيد الرؤية الأردنية الحديثة القائمة على الاعتزاز بالإرث الوطني والانفتاح على العالم.

ومن هنا، أصبح المغطس جزءاً من القوة الناعمة الأردنية التي تخاطب العالم بلغة الحضارة والثقافة لا بلغة الصراع، وتقدم الأردن بوصفه أرضاً للسلام وموئلاً للتسامح الديني. فبين ضفاف نهر الأردن وهدوء المكان المقدس، تتجسد رسالة الدولة الأردنية التي آمنت دائماً بأن الحوار بين الحضارات هو السبيل الحقيقي لبناء عالم أكثر استقراراً وإنسانية.

ومن الناحية المعمارية والأثرية، يعكس الموقع طبقات متعددة من التاريخ الإنساني. فالآثار الموجودة فيه لا تروي قصة دينية فقط، بل تكشف أيضاً عن تطور العمارة والفنون والطقوس الدينية عبر قرون طويلة. وتمنح الكنائس القديمة والممرات الحجرية وبرك التعميد شعوراً بأن المكان ما زال يحتفظ بروحه الأولى رغم تعاقب الأزمنة. كما أن البيئة الطبيعية المحيطة بالمغطس، بما فيها نهر الأردن والأشجار والنباتات الصحراوية، تضيف إلى المكان طابعاً روحياً وتأملياً يجعل الزائر يشعر بخصوصية التجربة الإنسانية فيه.

إن الحديث عن المغطس هو حديث عن الأردن ذاته؛ عن بلد صغير بمساحته، كبير بتاريخه ورسالته الإنسانية. فهذا الموقع لا يمثل حجارة وآثاراً فقط، بل يمثل ذاكرة روحية عالمية تختزن معاني الإيمان والسلام والتسامح. ومن هنا، فإن الحفاظ على المغطس وتطويره ليس مجرد واجب وطني، بل مسؤولية حضارية تجاه التراث الإنساني كله.

مواضيع قد تهمك