حسن الدعجة : أركان الدين (2): الحج... رحلة التحرر من الأنا
لم يعد الإنسان يعبد الأصنام القديمة، لكنه صنع لنفسه صنمًا أكثر خفاء وخطورة، وهو «الأنا»، حتى بات الإنسان يعيشها في كل مناحي الحياة: نجاحي، صورتي، رغباتي، ظهوري، لذّاتي، وأصبحت الذات مركزًا تدور حوله الرغبات والعلاقات والغايات، وهنا تأتي العبادة في الإسلام بوصفها عملية تحرير تدريجية من «عبودية الذات»، ويأتي الحج خصوصًا باعتباره من أعظم العبادات التي تعيد تفكيك الأنا، وإعادة بناء الإنسان نفسيًا وأخلاقيًا وحضاريًا.
فالحج ليس مجرد انتقال إلى الأماكن المقدسة، بل رحلة تهدف إلى زحزحة
الإنسان عن مركز نفسه، وهذا مقصد عظيم من مقاصد العبادة، إذ إن العبادات في
الرؤية المقاصدية ليست مقصودة لذاتها فقط، بل لما تحدثه من تحول في النفوس
والسلوك والأخلاق، وهنا أذكر أول عبارة قالها لي العارف بالله الشيخ
عبداللطيف بلقايد في أول لقاء به: «نح صورة نفسك»، أي تخلَّ عن مركزية
ذاتك، لتصل إلى حقيقة العبودية.
ولا يقصد هنا بمركزية الذات مجرد حب النفس الفطري، ولكن أن يتحول الإنسان
إلى محور كل شيء، فلا يرى مصلحة لأحد إلا من خلال نفسه، ولا يقيس العالم
إلا وفقًا لرغباته، فيغضب إذا لم يقدم، ويختنق إذا لم يمدح، ويحتقر الآخرين
حين يشعر بتفوقه عليهم، هذا المرض قد يتلبس حتى بالمتدين نفسه، فيتحول
التدين إلى صورة من صور «الأنا الدينية»، ويرى الإنسان نفسه أكثر صلاحًا من
غيره، وأنه الأنقى، وأن الدين بدونه قد يزول.
وما ينطبق هنا على الأنا الفردية، ينطبق كذلك على «الأنا الجماعية»، فبعض
الجماعات تعتبر نفسها «الفرقة الناجية» الوحيدة، والممثل الحصري للحقيقة،
وأن الدين محفوظ بوجودها، وأن الحق المطلق منوط بها، ولهذا كانت أخطر معركة
في التربية الإيمانية ليست مع الجسد، بل من «الأنا المتضخمة».
ومن هنا تأتي مناسك الحج لتبدد هذه الأوهام الأنوية، فأول ما يدخل الإنسان
في نسك الحج يتجرد من ثيابه، ليلبس ثوبين أبيضين بلا زينة، أو تمايز طبقي،
أو استعراض اجتماعي، وكأن الحج يزرع في الإنسان صورته الحقيقية: عبد ضعيف
بين ملايين البشر، وأن صورته التي رسمها لنفسه طويلًا، هي وهم في وهم،
فالإحرام ليس مجرد لباس، بل إعلان سقوط الامتيازات المصطنعة، فالغني
والفقير، والقوي والضعيف، وصاحب المنصب، والعامل البسيط، كلهم يتحركون
بالصورة نفسها، ويرددون النداء نفسه: «لبيك اللهم لبيك»، وفي هذه اللحظة
تبدأ الأنا بالتراجع أمام الحقيقة الكبرى، وهي أن الإنسان مهما تضخم، لا
يستطيع أن ينسلخ من إنسانيته، وافتقاره إلى الله.
وإذا تأملنا الطواف حول الكعبة، وجدنا أنه يعيد ترتيب مركزية الحياة،
فالإنسان الذي اعتاد أن يجعل ذاته مركزًا لكل شيء، يأتي ليطوف بحجر هو أقل
رتبة منه في الوجود، هنا يعرف الإنسان معنى العبودية التي أول منازلها
التخلي عن مركزية ذاته، ولذا فالطواف ليس حركة جسدية فقط، بل تدريب روحي
عميق على الخروج من عبودية الذات إلى العبودية لله، والإنسان لا يتحرر إلا
إذا توقف عن الدوران بصورته الداخلية أو هواه، ومن هنا نفهم معنى قوله
تعالى: «أفرأيت من اتخذ إلهه هواه».
ويتضح هذا المقصد أكثر عندما يربط القرآن الحج بالأخلاق بقوله تعالى: «فلا
رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج»، فالإنسان وسط الزحام يجب أن يصبر على
مشقة المناسك التي يؤديها، ويرحم غيره من الضعفاء مع شدة ما يلاقيه من
أعمال، ويتواضع للجميع مهما كانت مكانتهم الدنيوية، ويضبط غضبه مهما تعرض
للإيذاء من الغير، لأن الإنسان حين يتعب تسقط كثير من الأقنعة، ليواجه
نفسه، ويدرك هشاشته وضعفه، وأن ذاته ليست مركز الكون، بل جزء من عالم كبير،
مليء بالتنوع، والاختلاف.
فالعالم اليوم رغم تقدمه التقني، ولكنه يعيش تضخمًا هائلًا في الأنا، فتجد
صراعات قومية، وعنصرية، ونرجسية فردية، وتقديسًا للذات والجماعة، ولهذا
تبدو رسالة الحج أكثر حاجة للإنسان المعاصر من أي وقت مضى، لأنها تعيد
إحياء معاني الرحمة والتضحية والتواضع والشعور بالآخر، ويتحرر من عبودية
نفسه، وحين ينجح الإنسان في هذه الرحلة، يرجع بقلب منكسر لله لا كبر فيه،
وبنفس أقرب إلى الناس، وأكثر رحمة بهم، وبعقل أدرك أن حقيقة العبودية في
التحرر من الأنا، وأنه كلما زادت الأنا ضعفت العبودية.
*باحث في الفكر الإسلامي
ــ الغد