د. عبد الله حسين العزام : الملك بلغة الناس .. دبلوماسية القرب ورسائل الدولة في تكريم أسر الشهداء
في مشهدٍ يحمل أبعاداً إنسانية ووطنية واضحة، ودّع جلالة الملك عبدالله الثاني بعثة حجاج بيت الله الحرام المخصّصة لأسر الشهداء، يوم أمس الإثنين، في لحظة تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى رسالة دولة عنوانها الوفاء، ومضمونها أن تضحيات الأردنيين حاضرة في وجدان الدولة وليست حدثاً عابراً في تاريخها.
ما يلفت في هذا السياق ليس فقط المبادرة بحد ذاتها، بل أسلوب الحضور الملكي وخطابه القريب من الناس؛ ذلك النهج الذي يمكن وصفه بـ”دبلوماسية القرب”، حيث يُجسّد البعد الاجتماعي والسياسي بلغة بسيطة ومباشرة تعكس بواقعية عمق العلاقة الوطيدة بين مؤسسة العرش والمجتمع.
في هذا المشهد يظهر الملك بوصفه قائداً يقترب من أسر الشهداء، في تعبير عملي عن فلسفة حكم تمزج بين الانتماء الوطني والبُعد الإنساني. فتكريم أسر الشهداء عبر رحلة الحج لا يُفهم كإجراء بروتوكولي، بل كرسالة تؤكد أن الدولة الأردنية تحوّل الوفاء إلى فعل مستمر، وأن التضحية تقابل برعاية وتقدير دائمين.
واللافت أيضاً أن الخطاب الملكي يعتمد لغة مباشرة يفهمها الناس دون وسيط، بعيدة عن التعقيد والمصطلحات الثقيلة، ما يعزز الإحساس بأن الرسالة موجهة إلى المجتمع بكل فئاته، لا إلى النخب فقط. وهذا يعكس انسجاماً مع طبيعة المجتمع الأردني، حيث تلعب البساطة والوضوح دوراً أساسياً في ترسيخ الثقة بين الدولة ومواطنيها.
ومن زاوية تحليلية، يمكن قراءة هذا المشهد في إطار البعد الاجتماعي في العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث لا تقوم هذه العلاقة على المؤسسات والإجراءات فقط، بل أيضاً على ممارسات تعزز معنى الانتماء والوفاء. وهنا يتحول تكريم أسر الشهداء إلى فعل يعكس تقدير الدولة لتضحياتهم ويجسد حضورها المعنوي في تفاصيل حياتهم.
في المحصلة، يعكس هذا المشهد جانباً ثابتاً في التجربة الأردنية: دولة قريبة من الناس، وقيادة تخاطبهم بلغتهم، وتعبّر من خلاله عن الاهتمام والحضور الاجتماعي للدولة وقربها من الناس، وتعزز الثقة وتعمّق الانتماء.