الأخبار

د. حازم قشوع : رحم الله ...مازن الساكت

د. حازم قشوع : رحم الله ...مازن الساكت
أخبارنا :  

د. حازم قشوع

في لحظات الفقد، لا نرثي أشخاصًا بقدر ما نستحضر قيمًا كانت تمشي على الأرض، وعقولًا كانت تضيء دروب الرأي، ورجالًا تركوا في وجدان الوطن أثرًا لا يُمحى. وعندما يكون الحديث عن قامةٍ فكريةٍ بحجم مازن الساكت، فإن الكلمات تقف بخشوع أمام سيرةٍ اختزلت الحكمة، وجمعت بين عمق الفكر ونبل الموقف، فكان حضوره عنوانًا للاتزان، وصوته مرآةً للعقل الراجح.

عندما نتحدث عن الفكر العربي النير، فإن الحديث يقودنا بالضرورة إلى الشخصية الفكرية الأردنية المميزة التي جسدها معالي أبو شاهر مازن الساكت، رحمه الله، بما امتلكه من سعة دراية، وحسن تقدير دائم للموقف العام، وبصيرة نافذة في قراءة المشهد.

لقد كان رحمه الله، عند أهل الرأي، مرجعيةً يُعتدّ بها، وعند أصحاب القرار، من أهل الحكمة الذين يُستأنس برأيهم، ويُحرص على مشورتهم. لذا كان من الشخصيات الأردنية الوازنة التي يُعتدّ برأيها، ويُحرص على الاستماع إليها، لما قدّمه من رأيٍ سديد، ومشورةٍ ناضجة، بروحٍ من المسؤولية والموضوعية وعظيم الاقتدار. لقد شكّل، رحمه الله، بوابةً معرفية إدارية مميزة، تركت بصمة واضحة وعلامة فارقة في العملين السياسي والإداري.

ولقد زاملتُ معالي أبو شاهر في مجلس الوزراء إلى جانب دولة معروف البخيت، كما جمعنا العمل تحت قبة مجلس الأمة، حيث كان رحمه الله في مجلس الأعيان، بينما كنت في مجلس النواب. وكانت مداخلاته تحمل عمقًا في التأثير على مجريات النقاش، لما تنطوي عليه من وضوح في الفكرة، ودقة في التشخيص، وحسن في توظيف القرار، مما جعله يرسم صورة فكرية واضحة في معظم القضايا المطروحة على الساحة الأردنية.

وقد عُرف رحمه الله بجملته التي كان يستهل بها كثيرًا من تحليلاته: "طيب… وبعدين مع هالحال؟"، وهي عبارة تختصر منهجًا فكريًا قائمًا على مساءلة الواقع، والدفع نحو الفعل، وعدم الاكتفاء بوصف الحال.

لم يكن مازن الساكت شخصيةً عابرة، يمكن أن يمرّ طيفها في حديثٍ دون أثر، بل كان حضورًا مؤثرًا بما امتلكه من روح المبادرة، وعمق التأثير، ودور قيادي ومكانة مميزة عند كل من عرفه أو زامله أو رافقه. فقد كان، رحمه الله، نعم الإنسان الأردني الشهم، ونعم المفكر العربي الأديب، ونعم الصديق الوفي الذي نفتقده اليوم ونستذكر مواقفه بكل تقدير ووفاء.

رحل مازن الساكت، لكن الأثر لا يرحل، وبقيت كلماته شاهدةً على زمنٍ كان فيه للرأي وزنه، وللحكمة مكانتها، وللوطن رجاله. وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الدولة، وفي وجدان كل من عرفه، بوصفه نموذجًا للرجل الذي قال الكلمة بمسؤولية، وخدم وطنه ومليكه بإخلاص، وعاش للفكرة النبيلة حتى آخر الطريق.
رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته… وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مواضيع قد تهمك