الأخبار

د. اميرة يوسف ظاهر : القدس في الوجدان الأردني… سياسة الثبات في زمن التحولات

د. اميرة يوسف ظاهر : القدس في الوجدان الأردني… سياسة الثبات في زمن التحولات
أخبارنا :  

في الخامس عشر من أيار لا تستعيد الأمة العربية مجرد ذكرى تاريخية، وإنما تعود إلى لحظة ما تزال آثارها حاضرة في الوعي السياسي والإنساني؛ يوم النكبة حين تحولت فلسطين من وطن لشعب متجذر في أرضه إلى قضية تهجير واحتلال وصراع مفتوح حتى اليوم.

ثمانية وسبعون عاما مرت وما تزال النكبة مستمرة بأشكال مختلفة، فالاقتلاع لم يعد مجرد مشهد من الماضي، بل واقع يتجدد عبر الحصار والدمار ومحاولات تغيير الهوية الديمغرافية والسياسية للأرض الفلسطينية؛ ولهذا بقيت القضية الفلسطينية حية، لأنها ليست قضية حدود فقط، لكنها قضية حق وهوية وعدالة.

وفي قلب هذه القضية حافظ الأردن على موقف ثابت لم يتغير رغم التحولات الإقليمية والدولية، فمنذ عام 1948 لم يتعامل الأردن مع فلسطين بوصفها ملفا سياسيا موقتا، بل باعتبارها جزءا من أمن المنطقة واستقرارها، وقد شكل دفاع الجيش العربي الأردني عن القدس والضفة الغربية محطة مفصلية حافظت على هوية القدس العربية ومنعت سقوطها الكامل تحت الاحتلال آنذاك.

لكن خصوصية الموقف الأردني لا تكمن في استحضار الماضي فقط، بل في استمراره حتى اليوم بثبات سياسي ودبلوماسي واضح، ففي الوقت الذي تبدلت فيه أولويات كثيرة، بقي الأردن متمسكا بحل الدولتين، ورافضا أي مشاريع للتهجير أو فرض الوقائع بالقوة، ومؤكدا أن السلام العادل لا يمكن أن يتحقق دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ومن هنا اكتسبت الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية معناها الحقيقي؛ فهي ليست عنوانا رمزيا أو سياسيا عابرا، بل مسؤولية تاريخية متجذرة في هوية الدولة الأردنية، فمنذ الشريف الحسين بن علي وحتى جلالة الملك عبد الله الثاني، بقيت القدس حاضرة في صلب الرؤية الهاشمية باعتبارها قضية عقيدة وحق وتاريخ.

وقد أثبتت السنوات أن حماية القدس لا تتحقق بالشعارات، بل بالعمل السياسي والدبلوماسي المستمر. ولهذا واصل الأردن تحركاته الدولية دفاعا عن الوضع التاريخي والقانوني للمدينة المقدسة، ورفض كل محاولات التهويد أو تغيير الواقع القائم فيها، إلى جانب دعمه المتواصل للشعب الفلسطيني سياسيا وإنسانيا.

وفي ظل ما تشهده غزة والضفة الغربية من تصعيد خطير، عاد الأردن ليؤكد مجددا أن استقرار المنطقة لن يتحقق دون إنهاء الاحتلال ومنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة، رافضا أي مشاريع لتهجير الفلسطينيين أو تصفية قضيتهم تحت أي ظرف.

ولعل ما يمنح الموقف الأردني مصداقيته أنه لم يعتمد يوما على المزايدات أو الخطابات الانفعالية، بل على سياسة ثابتة حافظت على حضور القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وقدمت نموذجا للدولة التي تدافع عن ثوابتها بعقلانية واتزان.

واليوم يقف الأردنيون خلف قيادتهم الهاشمية في موقف موحد تجاه فلسطين والقدس، إدراكا منهم أن العلاقة بين الأردن وفلسطين لم تصنعها الجغرافيا وحدها، بل تاريخ طويل من التضحيات ووحدة المصير.

وفي ذكرى النكبة تبقى الحاجة قائمة ليس فقط لاستذكار الألم، بل لحماية الحقيقة من التزييف، والتمسك بالرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والنسيان، فالقضية الفلسطينية ستبقى قضية الأمة المركزية، وستبقى القدس عنوانا للحق العربي والإسلامي، وسيبقى الأردن ثابتا في موقفه؛ لأن الدفاع عن القدس بالنسبة إليه ليس موقفا سياسيا طارئا، بل مسؤولية تاريخية لا تتبدل.

مواضيع قد تهمك