حسين بني هاني: قمةٌ صينية-أمريكية في بكين
أسباب التوافق والاختلاف فيها كثيرة ، ولكنها تبقى علامة فارقة في علاقات الكبار في العالم ، تأجيل ترامب لزيارته للصين في آذار الماضي ، بسبب حربه على إيران ، لم يحدث أي فرق في الملفات العالقة بين بكين وواشنطن ، ربما تمنى الرئيس ترامب أن يلتقي الرئيس الصيني ، في ظرف أفضل مما هو عليه الآن في أزمته القائمة مع إيران ، هو يعلم قلّة الأسلحه بين يديه ، التي تؤثّر على موقف الصين , بخصوص هذه المسألة ، بعد أن أظهرت طهران قدرتها على الصمود ، هذا سيجعل لعبته السياسية مع بكين محفوفة بالمخاطر ، ومحكومة بمعادلة صفريّة ، الانتظار فيها سيكون طويلا ، والفيصل فيها مصالح الصين ، وبما يعزز مكانتها ويعطيها فرصة كافية ، لتحسين مركزها التفاوضي والسياسي مستقبلا ، في قضايا ملحّة وعالقة مع واشنطن أهمها قضية تايوان ، التي أصرّ الرئيس الصيني في كلمته أمام ترامب ، بأن أي تعامل أمريكي يسيء إلى هذه المسألة ، سيؤدي إلى صدامٍ غير محمود في العلاقات ، ونشوب صراع بين البلدين ، في وقت تريد فيه بكين أن تحافظ على ديمومة حضورها الدولي السلمي المقبول لدى العالم .
ترامب يعلم أن الصين كان لديها القدرة ، على استغلال حربه في الخليج لصالحها ، لكنها اكتفت بتقديم الدعم غير المباشر، والظهور بإلتزام الحياد ، مع أن ترامب كان قد عَلِمَ ، بما قيل أنها مشتريات أسلحة صينية ، وجدت طريقها إلى حلفاء واشنطن في الخليج ، للدفاع عن بنيتهم التحتية ، في ظل عجز الولايات المتحدة عن أداء هذه المهمة ، بسبب إستنزاف مخزوناتها العسكرية ، هذا حسّنَ موقع الصين الجيوسياسي وأزعج ترامب في الخليج ، وظهر له وكأنه زرعٌ للفتنة بين واشنطن وشركائها التقليديين هناك ، في وقت تحاول فيه إدارة ترامب ، ضبط العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم .
قادة بكين يعرفون تماما ، أن السيطرة والقوة العسكرية ، لم تعد اليوم هي الطريقة المثلى لإمتلاك النفوذ في العالم ، وإنما عوائد الاقتصاد وقوة الدول التكنولوجية ، بعد أن بنت فلسفتها السياسية على تجنب الصراعات ، وبناء شراكات اقتصادية وتجارية مربحة ، هذا الأمر لا يعجب الرئيس ترامب ، الذي يواصل استعراض قوة بلاده ، ويريد تقليص العجز التجاري مع الصين عبر بوابة التهديد بمزيد من الرسوم الجمركية ، فيما يريد الرئيس الصيني تخفيض تلك الرسوم ، باعتبار أن الجميع فيها خاسرون .
لدى الصين شعور خاص ، بأن إندفاع ترامب غير المحسوب ، لمزيد من المواجهة العسكرية مع الخصوم ، في ولايته الثانية ، تنذر بمخاطر إنحدار الإمبراطورية الأمريكية ، إذ بدت واشنطن بنظر الصين اليوم ، وكأنها تخلّت عن مبادئها التاريخية الجذابة ، مثل أفكار الحرية والعدالة ، واستبدلت كل ذلك بالمزيد من الحروب ومحاولة قهر الدول بالقوة ، وتقسيم العالم بين مؤيد ومعارض لها ، هذا جعل سياسة وحرب ترامب في الخليج ، تستقرّ في منطقة رمادية تَسْعَدُ بها بكين كثيراً ، وتُعجِزُ الرئيس عن بيع النصر الكامل لمناصريه فيها ، في وقت باتت فيه واشنطن تواجه الكثير من الخيارات السيئة ، أقلّها أن تصبح حربها في إيران بنظر بكين ، مستنقعاً تتمنى الاخيرة أن تغرق فيه واشنطن اطول مدة ممكنة ، إذا استطاعت تأمين حاجتها من النفط الايراني بطرق بديلة .
لقد قدّم ترامب بحربه ضدّ إيران هدية ثمينة للصين ، خلافاً لما كان يرغب به ويتمناه ، بل جعلها فرصة كبيرة لتصوير واشنطن ، بإعتبارها قوة عدوانية ، مقابل قوة صينية مثالاً للتفوّق الأخلاقي أمام العالم وحتى بين الشعب الأمريكي أيضاً .