الأخبار

الحرب الإعلامية في الشرق الأوسط بين: وميـض الكلمـات.. وضـرام القتـال وسلاح السرديات ودمار الأبجديات

الحرب الإعلامية في الشرق الأوسط بين: وميـض الكلمـات.. وضـرام القتـال وسلاح السرديات ودمار الأبجديات
أخبارنا :  

الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني الحالي أنموذجاً

اللواء الركن السابق الدكتور محمد خلف الرقاد *

الحلقة (1)

في إطار هذا الزمن السريع التغير والتغيير المستند إلى ثورة الاتصال والمعلومات، تتسارع فيه مساحات انتشار الأخبار والتقارير الإعلامية عبر شاشات الفضائيات المحلية والإقليمية والدولية الرسمية والخاصة إلى الحد الذي قد يسبق انطلاقات الفكر، حيث إن الحروب أصبحت تُخاض ليس فقط في ميادين القتال وأطر العمليات العسكرية على الأرض، وفي مجالات الحرب النفسية والعمليات النفسية، بل تجاوزت ذلك إلى آفاق أرحب وأخطر إلى الفضاء الإدراكي للعقل البشري الذي أصبح يتحكم في كيفية تحديد فهم العالم لما يحدث؟، ولماذا يحدث؟، حيث انتقلت مفاهيم القوة من حيز النار والبارود والمدفع والدبابة إلى حيز احتكار وتقييد وتوجيه الفهم والمعنى في ذهن المتلقي، ومن احتلال الأرض والسيطرة عليها إلى احتلال العقول وتلوين المفاهيم من خلال التحكم في صياغة السرديات والروايات والهيمنة عليها.

وفي ظل هذه البيئات القلقة وغير المستقرة تبرز الحرب الإعلامية التي تُعرّف بأنّها : « استخدام وسائل الإعلام والاتصال الاستراتيجي للتأثير على الإدراك والسلوك بما يخدم أهدافاً سياسية أو عسكرية» وتتضمن الدعاية، الحرب النفسية والعمليات النفسية، التضليل الإعلامي وإدارة الإدراك، على اعتبار أنّ الحرب الإعلامية واحدة من أهم أدوات الصراع الأعمق تأثيراً والأقل كلفةً في ترجيح موازين الحروب لصالح من يملك هذه الأدوات، ويحسن توظيفها، إذ لم تَعُدْ تحليلات الصراعات مقتصرة على البعد العسكري والمواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتصبح مبارزات إعلامية على ساحات الصراع، للهيمنة على الرواية والسردية، والسيطرة على الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي، حيث تتداخل العمليات العسكرية والقتالية مع العمليات الإعلامية الاتصالية بهدف التأثير على الإدراك الجماهيري من خلال صناعة السرديات وترتيب مفاصلها.

وفي الوقت الحاضر يمثل الصراع العسكري المسلح بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية أنموذجاً بارزاً لهذه التحولات، حيث تتصاعد حدة الاشتباكات العسكرية بأشكالها على خطوط التماس وبخاصة في العمليات القتالية الجوية، فتدور بالتوازي مع هذه المعارك معاركُ أشدُّ ضراوة، وأعمق أثراً وأبلغ تأثيراً، مع أن الكثير منها يجري في الخفاء، وتتمثل في معارك من دون صليل سيوف ولا قعقعة سلاح ولا هدير طائرات مقاتلة، لكنها تترك آثاراً أعمق من انشطارات صاروخ (بالستي)، وتأثيرات أعمق وأخطر من قذائف الطائرات التي تصل إلى أعماق المناطق المحصنة تحت الأرض، وتمتد تأثيراتها مباشرة إلى تفسير الأحداث في اتجاهات تحديد من هو الجلّاد ومقترف الذنب، ومن هو الضحية، وتتدخل مباشرة وبدون استئذان في صياغة الإطار المرجعي الذي تصبح قراءة الواقع من خلاله بغض النظر عن صحة هذا الواقع من عدمها، فهي معارك لا تقل حسماً عن الحسم الميداني للعمليات القتالية على أرض الواقع، ذلك لأنها تتدخل في صياغة شروط الشرعية التاريخية والسياسة وشرعية الإنجاز وشرعية المعتقد، لتعيد تشكيل رأي واتجاه وإدراك الأصدقاء والحلفاء والخصوم والجماهير المستهدفة على حدٍ سواء، أنها معارك صياغة الإدراك، والتلوين البارع للسرديات لكسب التعاطف والتعاون الدوليين، وتسهيل للطريق أمام تحقيق الأهداف، وأداة لشل خطط الخصوم، وإرباكهم وإضعاف معنوياتهم.

وقديماً كان للعرب فلسفة خاصة في النظر إلى ويلات الحروب، حيث وصف الفارسُ العربي عنترة بن شداد الحربَ بقوله : « الحرب أولها كلام وشكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى»، ومن الأدبيات العربية التي تجسد فلسفة النظرة للحرب وتعكس مدى خطورتها قول نصر بن سيار الكناني الذي يعكس خطر تداعيات الحروب، حيث يقول:

أرى تحت الرماد وميض جمر... ويوشك أن يكون له ضرام

فإنّ النارَ بالعودين تُذكى .. وإن الحربَ مبدؤها كلامُ

فإن لم يطْفِها عقلاءُ قومٍ... يكون وقودُها جثثٌ وهامُ

والمعنى هنا يشير إلى أن (الوميض) هو الخطر الصغير في البداية والذي قد يتطور ليصبح (ضراماً) بمعنى حرباً شاملة ومدمِّرة، وإذا لم يكن هناك عقلاء يطفئون نيرانها، ويخلِّصون العالم من شرورها فستأكل الأخضر واليابس.

كما جسدت أشعار زهير بن أبي سلمى نظرة العرب إلى الحرب وإبراز خطورة مجرياتها وتداعياتها حيث يقول :

متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً.. وتضُرُّ إذا ضريتموها فتُضْرمِ

فتعرككم عرك الرحى بثفالها.. وتلقح كِشَافاً ثم تنتج فتُتْئِمِ

نلقاكم في الحلقة الثانية بإذن الله

* مدير التوجيه المعنوي الأسبق / وأستاذ العلوم السياسية

مواضيع قد تهمك