رمزي الغزوي : ما وراء الباب للخراب
ينصح بعض خبراء التربية ألا نقارن أولادنا بأولاد الآخرين؛ فلكلّ ولد طبيعته، وإمكاناته، وفرادته. المقارنة تزرع في نفسه الإحباط، وتزيد من ألمه، ولا تدفعه إلى سباق النجاح. وإن كان لا بدّ منها، فالأجدى أن نقارن أبناءنا بأنفسهم: كيف كانوا؟ وأين أصبحوا؟ ونفسح لهم المجال كي يتفوقوا على ذواتهم مرة تلو الأخرى، حتى يحرزوا التميز الذي يستحقونه.
لا أعرف مدى نجاعة هذه النصيحة أو حجم خيبتها. كل ما أعرفه أن المقارنات، في أغلب الأحوال، ترهق النفس، وتترك فيها وخزات لا تندمل. ولهذا كففت، منذ زمن بعيد، عن مقارنة بلدي بالبلدان التي أسافر إليها. تعلمت هذه المهارة النفسية بعد مرارات قاسية، كنت أتحمّص فيها قهرا، كلما رأيت تفوقا أو نجاحا في بلد نستطيع إن أردنا أن نحقق مثله، وربما أكثر.
عادةً ما يشعر الناس بالألم حين يقارنون وطنهم ببلدان يزورونها، وقد يصابون بصدمة تحرمهم من الراحة في أوطانهم. هذا، بالطبع، يختلف عن رغبتها في استلهام تجربة ناجحة وننقلها لبلدنا بما يناسبه. لكنني لا أفهم كيف لم نحقق وفرة من النجاحات، رغم أن كثيرا من مسؤولينا يجوبون بلاد الله الفسيحة!
ومن زاوية أقرب، لا نقارن أنفسنا بأنفسنا، لا في بلادنا ولا حين نسافر. لماذا يلتزم البعض بقواعد المرور في دبي مثلا، ثم يكسرها بكل استهتار في عمان؟ لماذا نحرص على نظافة المدن التي نزورها، بينما نشوّه بلادنا بنفاياتنا في غابة أو متنزه؟
قبل سنوات، راينا على شواطئ «نعمة بيه» في شرم الشيخ عائلة أردنية سهرت قبالتنا على الرمل الناعم. وقبل أن تغادر، تعاون أفرادها كلهم على جمع نفاياتهم، حتى آخر قشرة بزر. وضعوها في كيس، وساروا به لمسافة تزيد على مئتي متر، حتى وجدوا حاوية نفايات.
وفي المقابل، يكفي أن تزور غابة فراس العجلوني في عنجرة أو غابات دبين والصفصافة لترى مئات الأطنان من النفايات تركناها خلفنا دون أن نشعر بشيء من الخجل أو الحزن، ودون حتى أن نسأل أنفسنا بعد نهار طيب في أحضان الطبيعة: كيف يمكن لنا أن نعود إلى هذا المكان مرة أخرى بعد أن زبّلناه؟
لا أريد أن أخوض في سبب انضباطنا خارج الوطن وانفلاتنا فيه، ولا أريد أن أرجع ذلك إلى الخوف من العقوبة وحده، ولا أريد أن أفتّش عن تفسير منطقي لنظافتنا الوسواسية في بيوتنا، وقبولنا بشوارع وأماكن عامة وغابات تقشعر الأبدان من قذارتها. ولكني أعتقد أن ثمة شعورا يلازم بعضنا مفاده أن الوطن فقط، هو بيتك فقط؟ وما وراء البوابة فليأكله الخراب.