د. مشعل الماضي : ما بين محافظي الأردن وليبرالييه…
كلما احتدم النقاش في الأردن بين المحافظين والليبراليين حول حدود الحرية الفردية، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: من يحدد أين تنتهي الحرية وأين يبدأ تجاوز حدود المجتمع؟
والحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال لا تكون عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولا بحسب أي طرف يرفع صوته أكثر، لأن الدولة لا تُدار بالمزاج الاجتماعي أو الانطباعات الشخصية، بل بالقانون.
وفي هذا الإطار، يبقى النظام العام هو المرجع الذي تُقاس به حدود المباح والممنوع، وتبقى الآداب العامة جزءًا أصيلًا من هذا النظام، لا مجرد فكرة أخلاقية يطرحها المحافظون في مواجهة الليبراليين.
فالآداب العامة، ببساطة، هي الحد الأدنى من القيم والأخلاق التي يتفق المجتمع على ضرورة الحفاظ عليها كي يبقى متماسكًا. وهي ليست رفاهية اجتماعية أو خطابًا وعظيًا، بل تمثل ذلك السقف الأخلاقي المشترك الذي إن سقط، بدأت معه بنية المجتمع بالتآكل تدريجيًا، لأن المجتمعات لا تنهار فقط بالسلاح أو الأزمات الاقتصادية، بل قد تنهار أيضًا عندما تفقد منظومتها القيمية الجامعة.
ولهذا لم يتعامل الدستور الأردني مع الآداب العامة باعتبارها مسألة هامشية، بل منحها مكانة دستورية واضحة حين نصت المادة 14 على أن الدولة تحمي حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد ما لم تكن مخلة بالنظام العام أو منافية للآداب.
وهذا النص يكشف بوضوح أن حتى الحريات ذات الطبيعة الدستورية الرفيعة ليست مطلقة، بل تمارس ضمن إطار يحترم النظام العام والآداب العامة.
فإذا كانت حرية المعتقد ذاتها مقيدة بهذا القيد الدستوري، فمن باب أولى أن تخضع له سائر الممارسات والسلوكيات التي تقع في المجال العام.
ومن هنا، فإن الدفاع عن الآداب العامة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتصارًا للمحافظين على الليبراليين، لأن المسألة ليست خلافًا بين رؤيتين اجتماعيتين بقدر ما هي احترام لقيد دستوري وقانوني يحمي الحد الأدنى من الأخلاق العامة التي يرى المجتمع أن التفريط بها يهدد استقراره وهويته.
فالحرية لا تعني أن يفعل الإنسان كل ما يشاء دون ضابط، كما أن المحافظة لا تعني فرض الوصاية على الناس خارج إطار القانون. وبين هذين الطرفين يقف النظام العام ليحدد المساحة التي تتحرك فيها الحرية دون أن تتحول إلى فوضى، أو تتحول المحافظة إلى تسلط.
وفي مجتمع محافظ بطبيعته كالمجتمع الأردني، تبقى الآداب العامة جزءًا من العقد الاجتماعي غير المكتوب بين الدولة والمجتمع، وجزءًا من التوازن الذي يحفظ للناس حرياتهم دون أن يسمح بانهيار الإطار القيمي الذي يجمعهم.
وفي النهاية، فإن الجدل بين المحافظين والليبراليين سيبقى قائمًا ما بقي الاختلاف قائمًا، لكن الفيصل الحقيقي لن يكون يومًا صوت الشارع ولا ضجيج المنصات، بل سيبقى دومًا: ما يقرره القانون، وما يحميه النظام العام، وما تعتبره الدولة من صميم الآداب العامة التي لا يقوم المجتمع دونها.
أستاذ القانون الدستوري - الجامعة الأردنية.