الأخبار

د. عاصم منصور : هل تفعلها الحكومة؟

د. عاصم منصور : هل تفعلها الحكومة؟
أخبارنا :  

أقرّ البرلمان البريطاني قانونًا جديدًا يُنظر إليه على أنه من أوسع التدخلات التشريعية في مجال الصحة العامة خلال السنوات الأخيرة، إذ يمنع بيع السجائر لأي شخص وُلد في عام 2009 وما بعد، في خطوة تهدف إلى إنشاء ما تصفه الحكومة البريطانية بـ»جيل خالٍ من التدخين». كما يمنح القانون الجديد السلطات صلاحيات أوسع لتنظيم منتجات التبغ والسجائر الإلكترونية، بما يشمل النكهات والتغليف، إلى جانب فرض قيود إضافية على التدخين الإلكتروني في بعض الأماكن العامة المرتبطة بالأطفال، وهذا يشكل تقدما إيجابيا من قبل المشرعين البريطانيين تجاه هذا النوع من التدخين حيث اتسم تعامل السلطات معه سابقا بكثير من التساهل.

ويأتي هذا التشريع في وقت تواصل فيه الحكومات حول العالم البحث عن أدوات أكثر فاعلية للحد من التدخين، فقد أثبتت التجربة أن مكافحة التدخين في سن مبكرة أكثر تأثيرًا من الاكتفاء بمحاولة علاج الإدمان بعد رسوخه. ومن هنا، تراهن لندن على أن التشدد في منع وصول الأجيال الجديدة إلى السجائر سيؤدي تدريجيًا إلى خفض معدلات الإصابة بالأمراض المرتبطة بالتدخين، وعلى رأسها أمراض القلب والرئة والسرطان.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هل يمكننا نسخ التجربة البريطانية في بلد كالأردن الذي تنتشر فيه ظاهرة التدخين بصورة أكبر بكثير من بريطانيا، فلا يخفى على أحد أننا نواجه تحديًا صحيًا واجتماعيًا واضحًا يتمثل في ارتفاع معدلات التدخين بين البالغين والشباب، ووجود قبول اجتماعي واسع نسبيًا لهذه العادة. لذلك فإن أي قانون مشابه يحتاج إلى بيئة تنفيذية صارمة، وحملات توعية طويلة الأمد، وبرامج دعم حقيقية للإقلاع عن التدخين، حتى لا يتحول النص القانوني إلى مجرد إعلان رمزي.
وإذا ما ترافق القانون مع رفع الضرائب على التبغ، وتشديد الرقابة على البيع للقاصرين، وتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة وتوسيع خدمات الإقلاع، فقد يحقق أثرًا ملموسًا خلال سنوات قليلة.
عادة ما يتعلل المسؤولون عند طرح هذا الموضوع بأن أي تشديد على الإتجار «القانوني» بالتبغ سوف يفتح الباب على مصراعيه أمام السوق الموازي، وهذا طرح لا أتفق معه فبمقدور الأجهزة المعنية ضبط الحدود بدرجة كبيرة، أما السبب المسكوت عنه في هذا النقاش فهو مساهمة تجارة التبغ برفد الخزينة بمبالغ كبيرة على شكل عائدات ضريبية وهذا فهم قاصر للاقتصاد فكل دينار نجنيه اليوم سوف تدفعه الأجيال القادمة وربما الحالية أضعافا مضاعفة لتغطية كلفة علاج الأمراض والعلل التي تسببها هذه الآفة.
لا شك أن هذه القرارات قد لا تحظى بالشعبية في بلد أكثر من نصف رجاله وربع نسائه من المدخنين وهذا ما يتطلب شجاعة لدى صاحب القرار وهي لا تنقص دولة الرئيس فقد اتخذ قرارا جريئا مطلع هذا العام بتأمين الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفا في مواجهة مرض السرطان مما أدى إلى إصلاح التشوهات المزمنة التي كانت تشوب عملية تأمين المرضى وننتظر منه الآن قرارا آخر جريء لحماية صحة الأجيال القادمة.
يبدو النموذج البريطاني خطوة جريئة قد تفتح الباب أمام سياسات أكثر حزمًا في مواجهة التدخين، أما في الأردن، فالفكرة قابلة للنقاش والتكييف، لكن نجاحها مرهون بالالتزام السياسي من لدن أصحاب القرار، وبمدى الجاهزية القانونية والاجتماعية لمثل هذه الخطوات، وبقدرة الدولة على تحويل القانون من نص على الورق إلى تغيير حقيقي في السلوك العام.

ــ الغد

مواضيع قد تهمك