فراس النعسان : «أوبك».. وقرار الإمارات
دخل قرار دولة الإمارات الخروج من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ حيز التنفيذ يوم الجمعة الماضي، في خطوة تعكس تحوّلاً استراتيجياً محسوباً في سياسات الطاقة، وتؤكد أن الدولة لم تعد تكتفي بدور المشارك في صياغة التوازنات، بل تسعى لأن تكون فاعلاً أكثر استقلالية في رسمها.
هذه الخطوة، رغم ما أثير حولها من جدل، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العالمي المتغير. سوق الطاقة اليوم لم يعد محكوماً بالمعادلات القديمة ذاتها، فالطلب يتبدل، والتكنولوجيا تعيد تشكيل قواعد اللعبة، والمنافسة لم تعد فقط بين المنتجين التقليديين، بل بين نماذج اقتصادية كاملة. في هذا المشهد، يصبح من الطبيعي أن تعيد دولة مثل الإمارات تموضعها بما يتناسب مع قدراتها وطموحاتها.
الإمارات، التي استثمرت بشكل مكثف في رفع طاقتها الإنتاجية وتطوير بنيتها التحتية في قطاع الطاقة، وجدت نفسها أمام معادلة دقيقة: هل تستمر في الالتزام بحصص إنتاج قد لا تعكس كامل إمكانياتها، أم تفتح لنفسها مجالاً أوسع للتحرك؟ القرار، في جوهره، لم يكن خروجاً بقدر ما كان إعادة ضبط للإيقاع، بما ينسجم مع مصلحة وطنية واضحة.
ما يغيب عن كثير من هذه النقاشات هو أن الإمارات لم تعد اقتصاداً أحادي المصدر. النفط، رغم أهميته، لم يعد الورقة الوحيدة في يدها. هناك قطاعات تنمو بثبات، ومنها التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والسياحة. هذا التنويع يمنح الدولة قدرة أكبر على اتخاذ قرارات سيادية دون أن تكون أسيرة لتقلبات سوق النفط أو قيوده.
في الوقت ذاته، لا يعني الخروج من أوبك وأوبك+ القطيعة مع منطق التعاون. الإمارات تدرك أن استقرار أسواق الطاقة مصلحة مشتركة، وأن الفوضى في الأسعار لا تخدم أحداً، بما في ذلك المنتجين. لكن الفارق هنا هو أن التعاون لم يعد مشروطاً بعضوية تنظيمية، بل يمكن أن يأخذ أشكالاً أكثر مرونة، تتناسب مع واقع جديد أقل مركزية وأكثر تعقيداً.
أما المخاوف من أن تؤدي هذه الخطوة إلى إضعاف التكتلات النفطية، فهي تعكس قلقاً مشروعاً، لكن مبالغاً فيه. التكتلات، بطبيعتها، تتغير وتتكيف، وبعضها يضعف وبعضها يعيد تشكيل نفسه. ما تقوم به الإمارات قد يكون بداية لنمط جديد من العلاقات داخل سوق الطاقة، حيث تتقدم المصالح الوطنية المباشرة، دون أن تلغي الحاجة إلى التنسيق الدولي.
القرار أيضاً يبعث برسالة أوسع، وهي أن الإمارات تتحرك بثقة، وبقراءة بعيدة المدى. هي لا تنتظر أن تُفرض عليها التحولات، بل تبادر لصناعتها. وهذا ما يفسر استثماراتها الكبيرة في الطاقة النظيفة والهيدروجين، إلى جانب النفط والغاز. إنها لا تغادر قطاعاً بقدر ما تعيد توزيع رهاناتها داخله.
في النهاية، الضجيج الذي أحاط بالخطوة لا يعكس خطورتها بقدر ما يعكس حساسيتها. حين تتخذ دولة بحجم الإمارات قراراً استراتيجياً، فمن الطبيعي أن تتعدد القراءات، وأن تتقاطع المصالح، وأن ترتفع الأصوات. لكن خلف هذا كله، تبقى الحقيقة بسيطة، وهي أن الإمارات تمارس حقها الطبيعي في حماية اقتصادها، وتعزيز موقعها، وصياغة مستقبلها وفق ما تراه مناسباً.
وما بين الانفعال والتحليل، يظل الفارق واضحاً. هناك من يرى في كل خطوة خروجاً عن المألوف، وهناك من يدرك أن العالم يتغير، وأن من لا يعيد تموضعه في الوقت المناسب، قد يجد نفسه خارج المعادلة بالكامل. الإمارات، في هذه اللحظة، اختارت أن تكون داخل المستقبل، لا على هامشه.