الأخبار

عبد الله كنعان: تنمية الوقف وتعزيز صمود المقدسيين: ركائز الفكر الهاشمي لسمو الأمير الحسن بن طلال

عبد الله كنعان: تنمية الوقف وتعزيز صمود المقدسيين: ركائز الفكر الهاشمي لسمو الأمير الحسن بن طلال
أخبارنا :  

يتسم الفكر الهاشمي بالأصالة والشمولية، فدعامته الأساسية هي الثبات على القيم وتعزيز مفاهيم التنمية والنماء. هذا الفكر، بما فيه من جهود ودعوات، لم تقتصر فقط على النهضة في الأردن، بل انطلقت أفكاره لتشمل المحيط العربي والدولي. ولنا في ذلك مضامين الثورة والنهضة العربية الكبرى بقيادة المغفور له الشريف الحسين بن علي. وعلى الصعيد الدولي، جاءت الكثير من المبادرات الهاشمية المتعلقة بالسلام والتعايش والكرامة الإنسانية، والتي تجسدت في "رسالة عمّان" وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان الذي أقرته الأمم المتحدة، بإقتراح ودعوة من جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله.

ولأن القضية الفلسطينية وجوهرتها القدس لها بُعدها الوطني والقومي والإنساني لنا في الأردن، انطلاقًا من التضحيات التاريخية الأردنية، شعبًا وقيادة هاشمية صاحبة الوصاية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، جاء فكر صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال منسجمًا ومتمسكًا بالنهج الهاشمي للأباء والأجداد، في حمل أمانة الدفاع عن هذه القضية ومطالبة المجتمع الدولي بنصرتها، بما يتفق مع القرارات والتفاهمات الدولية الشرعية القائمة على عدالة السلام على أساس حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران عام 1967م.

ولسموه حفظه الله مبادرات ومقالات ومؤلفات لا يتسع المجال لذكرها تتعلق بفلسطين والقدس، مضمونها المقدس: "حق الشعب الفلسطيني العادل والقدس في الضمير ووجوب دعم الصمود الفلسطيني". وسأقف هنا عند دعوات سموه بضرورة دعم صمود وحقوق الشعب الفلسطيني، وتحديدًا في سياق مبادرات سموه ومنها "الصناديق الوقفية". ومن المعلوم أن فلسفتها تقوم على المأسسة والتشاركية في سبيل ديمومة واستمرارية التنمية، من خلال ضمان الموارد المالية للمؤسسات التعليمية والثقافية والاقتصادية من جهة، وتشاركية الجميع من أفراد ومؤسسات في دعم الصمود والنضال من خلال التبرع للأوقاف من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، استذكر دعوة سموه في تشرين الثاني عام 2025م، بإنشاء صندوق وقفي خاص لمساعدة الآلاف من الأيتام والمصابين وذوي الإعاقة، ولكافة أهل غزة الذين دُمرت بيوتهم ومدارسهم ومصانعهم وهُجروا عنها، ويعيشون مجاعة ومعاناة أمام نظر العالم. وفي نيسان من عام 2026م، توج الجهد الوطني الذي يقوده سمو الأمير الحسن بن طلال، وبرعاية ملكية تجاه أهلنا في فلسطين والقدس، بدعوة سموه لتأسيس الوقفية الهاشمية للقدس، باعتبارها إطارًا مؤسسيًا يجمع بين الدعم المالي والخدماتي، والإسناد القانوني والإداري، بهدف صون الحقوق التاريخية للمقدسيين، والحفاظ على الهوية العربية للمدينة، وترسيخ مكانتها كإرث إنساني عالمي مشترك.

علماً بأن وزارة الأوقاف الأردنية تقوم بجهود كبيرة وخيرة، إلا أن فكرة صندوق الوقف الهاشمي تهدف إلى إحياء وتفعيل هذا النظام الاقتصادي الحضاري الإسلامي، بغية تعزيز الجهود وتحقيق واقعٍ لصمود المقدسيين، وتمكين كافة المؤسسات التعليمية والاقتصادية والثقافية التي تعاني في القدس من التحديات المتصاعدة، خاصة في إطار الأزمة الإنسانية التي يعمد الاحتلال الإسرائيلي لخلقها في مدينة القدس ضمن استراتيجية التهويد والإسرلة والعبرنة، والمتمثلة في القتل والأسر والإبعاد والتهجير، والمدعومة من حكومة اليمين الإسرائيلية.

إن وجود صندوق الوقف الهاشمي للقدس، يمنح خاصية أوسع للتبرع للأوقاف الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس تحت رعاية وإشراف ومتابعة هاشمية مباشرة، إلى جانب توفر إمكانية التشبيك والتعاون بين مختلف الجهات الوقفية العاملة لأجل القدس. ومن ذلك، على الصعيد العربي، مثلًا: صندوق الأقصى الذي يتبع البنك الإسلامي للتنمية بموجب قرار القمة العربية، وصندوق تمكين القدس، وبيت الزكاة (الكويت)، ووكالة بيت مال القدس (المغرب)، والجمعية المغربية لدعم الإعمار في فلسطين (المغرب)، ومؤسسة وقف الأمة (تركيا)، ومؤسسة القدس الدولية (بيروت). وفي فلسطين المحتلة، هناك عدة مؤسسات تهتم بشؤون الوقف، منها مجلس أوقاف القدس الذي يتبع وزارة الأوقاف الأردنية، ومؤسسة تعاون (منيب المصري)، والهيئة الإسلامية العليا، والهيئة العربية الدولية للإعمار في فلسطين، والمؤتمر الوطني الشعبي الفلسطيني للقدس، والهيئة الإسلامية المسيحية وغيرها الكثير، لا يتسع المجال لذكرها في هذا المقال.

وفي الأردن، هناك أيضًا مؤسسات وجهات عديدة مهتمة وناشطة بشؤون الأوقاف. فإضافة لجهود وزارة الأوقاف، هناك مثلًا الصندوق الهاشمي لإعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة، واللجنة الملكية لشؤون القدس، ومهندسون لأجل القدس (نقابة المهندسين الأردنية)، حيث تم إطلاق حملة "فلنشعل قناديل صمودها" وهي مستمرة، وأطباء لأجل القدس (نقابة الأطباء الأردنية) في مجال دعم القطاع الصحي، وجمعية حماية القدس ومتحف "بيت الذاكرة - شبكة متاحف القدس"، إضافة إلى الكثير من الهيئات والجمعيات المعنية بالقدس في الأردن، وتحديدًا في مجال دعم الأوقاف في إطار الإسناد المالي أو الثقافي.

إن صندوق الوقف الهاشمي للقدس فكرة هاشمية مباركة، ومبادرة عملية لحماية هوية المدينة المقدسة الأصيلة، وبلورة شاملة لاستراتيجية دعم صمود المقدسيين. خاصة أن مثل هذا الصندوق سيعزز التمكين في كافة المجالات، وسيحقق مركزية ورباطًا وثيقًا بين مختلف المؤسسات العاملة لأجل القدس، مما يوفر الحوكمة والتشبيك وقاعدة معلومات وإحصائيات تساعد في اتخاذ القرارات العملية لدعم الرباط في القدس في وجه حملة التهويد ومخاطرها المتسارعة في القدس. وما نحتاجه اليوم هو هبّة حقيقية من الجميع: مؤسسات وأفراد لدعم إنشاء هذا الصندوق الهاشمي ليكون رصيدًا عمليًا يرفد جهود وواجب حماية القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

مواضيع قد تهمك