الأخبار

زيد فهيم العطاري : عن أزمة المجتمع المدني والمجال العام

زيد فهيم العطاري : عن أزمة المجتمع المدني والمجال العام
أخبارنا :  

المجتمع المدني يبدو مع تشعب ميادينه واتساع ادواته وبخاصة الرقمية منها بتنا بحاجةٍ لإعادة التذكير بوظيفته المركزية وهي التنشئة والتمكين ورفع مستوى النقاش والحوار، وتقديم البدائل لصناع القرار وإنتاج النخب على اختلاف خبراتها السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، ويرافق هذه الأدوار بالضرورة اشتباكٌ ايجابيٌ مع القضايا المركزية وذات الأولوية التي تهم الدولة والمجتمع سواءً في السياسة أو الاقتصاد أو غير ذلك مما يؤثر على مصالح الناس، وهذا الاشتباك هو ما دعا لصعود النقابات واتحاد العمال والكتاب وغيرها من الأطر الجمعية التي كانت تجمع المهتمين والفاعلين في بوتقتها على مر العقود، فتتشكل على أثر ذلك ساحات ومساحات النقاش والحوار.

اليوم لا يخفى على أحدٍ بأن مساحات الحوار والنقاش والتفكر في مختلف وجهات النظر آخذةٌ بالاتساع، الأمر الذي من شأنه إذكاء ما يُعرف بالمداولات هذه المداولات التي تسهم في توسيع آفاق التفكير والسعي نحو فهمٍ أفضل وفي الكثير من الحالات الخيار الأنجع، غير أنه وبسبب غياب التوازن في مستويات النقاش والعبث في ميادينها وحجم تأثير هذه الميادين، تذهب المداولات إلى نقطةٍ حرجة يصعب حينها إطلاق مصطلح المداولات والنقاش العام الذي قصده هابرماس في نظرياته، فما يؤول اليه المشهد يصبح أكثر تأثيراً على الرأي العام فيتحول النقاش إلى استقطاب وشقوقٍ في جدران التماسك المجتمعي يتسرب عبرها ما يُسمى الذباب الالكتروني لكل من يريد العبث بالاستقرار، فيمتطي هذا الذباب ومن هم خلفه صهوة العقيدة والدين تارة وصهوة القومية والقضايا المركزية تارةً أخرى سعياً لبث الفرقة والخلاف وأحياناً يكون الهدف هو الوصول بالرأي العام ونقاشاته إلى حالةٍ من التيه فتنحرف البوصلة عن القضايا ذات الأولوية.

أمام ما آلت اليه حالة الحوار والنقاش من تراجع واستئثار سببه تراجع المجتمع المدني حيث بات أضعف والسبب في ذلك يمكن تلخيصه بالآتي:

أولاً: الارتهان لتوجهات التمويل والمنح فلم يعد هناك لونٌ واضح وتخصص لأيٍ من مكونات المجتمع المدني فباتت عابرةٌ للقطاعات لا تخصصيةً في عملها أو حواراتها ولا واستمرارية في تراكمية عملها والسبب في ذلك يعود بشكل أساسي لغياب الموارد والخبرات التي تستطيع البناء على ما يتحقق.

ثانياً: تراجع الانخراط بالقضايا المركزية وذات الأولوية الأمر الذي يحول النقاش والحوار على اتساعه نحو القضايا الأقل أهمية وأولوية مما يؤثر سلباً على مستويات الأجيال الناشئة وعمق ما تتناقله وتتبناه من أفكار مما يفضي إلى تراجع مستويات النقاش وما يُطرح من قضايا تصبح مع مرور الوقت قضايا رأي عام بالرغم من تراجع درجة أهميتها.

إن التيقن والاعتراف بحالة الضعف والتفتت الذي يعيشه ما يسمى اليوم بالمجتمع المدني يستلزم إعادة النظر في ضبط المجال العام وعندما نتحدث عن الضبط فإن ما نعنيه هو إعادة النظر في إدارة نوافذ الفضاء العام وإدارتها وتنظيمها بما يضمن تعزيز الحريات العامة والنهوض بمستوى النقاشات وإعادة الاعتبار لبواكير المجتمع المدني واستنهاضها لتقوم بدورها الحقيقي في التنشئة ورفع مستوى الوعي العام وتوظيف المساحات الرقمية وأدواتها بما يعزز الاختلاف الإيجابي الذي يغذي الأفكار والآراء بعيداً عن النقاشات المرهونة بالتمويل التي إن تزاحمت ستجعل القضايا المركزية في الخلف فلا أحد يراها أو يتذكرها.

مواضيع قد تهمك