الأخبار

مصطفى الريالات يكتب : الأردن يعيد رسم معادلة الردع شمالا…

مصطفى الريالات يكتب : الأردن يعيد رسم معادلة الردع شمالا…
أخبارنا :  

مصطفى الريالات
لم تكن الضربات الجوية التي نفذها سلاح الجو الأردني فجر الأحد في الجنوب السوري مجرد عملية عسكرية عابرة، بل إعلان واضح عن انتقال عمّان إلى مرحلة جديدة في إدارة أمنها الحدودي، عنوانها: الردع المباشر حين تفشل الأدوات التقليدية.
الجيش الأردني أعلن استهداف مواقع ومستودعات ومصانع مرتبطة بشبكات تهريب السلاح والمخدرات على حدوده الشمالية. وبالرغم من تقديم العملية رسميا بوصفها إجراء تقنيا لضبط التهديدات، فإن قراءتها بمعزل عن سياقها الإقليمي تُفقدها الكثير من دلالاتها. فالغارات لم تحمل قنابل فقط، بل رسائل سياسية متعددة الاتجاهات.
لا يمكن فهم هذا التحول دون استحضار حجم التهديد المتنامي على الجبهة الشمالية. فمحاولات تهريب المخدرات، وعلى رأسها الكبتاغون، باتت شبه يومية عبر حدود تمتد لنحو 375 كيلومترا، في مؤشر على وجود بنية منظمة عابرة للحدود، تتجاوز كونها نشاطا فرديا أو محدودا. الأرقام الأخيرة، بما فيها ضبط ملايين الحبوب خلال فترة قصيرة، تعكس اقتصادا موازيا يصعب احتواؤه بالأدوات التقليدية.
اختيار محافظة السويداء مسرحا للعملية لم يكن تفصيلا عسكريا بحتا، بل يعكس قراءة أردنية لطبيعة الفراغ القائم في الجنوب السوري. فالمنطقة، التي تقع أجزاء منها خارج السيطرة الفعلية للدولة، تحولت إلى مساحة رمادية تُعيد إنتاج نفسها باستمرار، وتوفر بيئة مثالية لشبكات التهريب، القادرة على التكيف مع الضغوط وتجاوز أنماط الردع التقليدي.
في هذا السياق، تبدو العملية جزءا من تحوّل أوسع في مقاربة الأمن القومي الأردني. فبعد رهان قصير على قدرة السلطة السورية الجديدة على ضبط الجنوب، تبيّن أن الواقع الميداني أكثر تعقيدا. وعليه، اختارت عمّان الجمع بين مسارين متوازيين: تعاون أمني مع دمشق، وتدخل مباشر عند الضرورة.
هذا التوازن يحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها أن الأردن لا يقبل بترسخ مناطق خارجة عن سيطرة الدولة السورية، ولا بظهور كيانات أمر واقع على حدوده، لما يشكله ذلك من تهديد مباشر لأمنه واستقراره.
كما أن هذه العمليات لا تجري بمعزل عن أطر التنسيق الإقليمي، حيث تستند إلى تفاهمات أمنية ضمن ما يُعرف بـ"خماسية عمّان"، التي أوجدت آليات تعاون وتنسيق بين دول الجوار لمواجهة التحديات العابرة للحدود، وعلى رأسها تهريب المخدرات.
وتحمل الضربة في طياتها رسائل متعددة: إلى الفاعلين المسلحين في الجنوب السوري بأن الحدود الأردنية ليست ساحة مفتوحة، وإلى شبكات التهريب بأن نشاطها لن يمر دون كلفة، وإلى الإقليم بأن المملكة قادرة على فرض معادلتها الأمنية، ورفض التحول إلى ممر لاقتصادات غير مشروعة.
ما جرى فجر الأحد يتجاوز كونه إجراء ميدانيا، ليشكل مؤشرا على مرحلة جديدة في السياسة الأمنية الأردنية؛ مرحلة تتراجع فيها الدبلوماسية الهادئة خطوة إلى الخلف، حين يصبح الأمن الوطني مهددا، وتتقدم أدوات الردع إلى الواجهة.
في النهاية، لا تُقاس قوة الدول بحجم التحديات التي تواجهها، بل بقدرتها على إدارة هذه التحديات وفرض قواعد اشتباك واضحة. وما حدث في الجنوب السوري يندرج في هذا السياق: إعادة تعريف للخطوط الحمراء، وترسيخ لمعادلة لا تحتمل اللبس—أن أمن الأردن ليس مجالا للمساومة، بل قاعدة تُفرض عند الحاجة. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك