الأخبار

د. ذيب القرالة : زمن الخيارات الصعبة

د. ذيب القرالة : زمن الخيارات الصعبة
أخبارنا :  

في لحظة تبدو فيها الأحداث متسارعة إلى حدّ الفوضى، يصبح من الخطأ قراءة ما يجري في العالم والمنطقة على أنه سلسلة أزمات منفصلة، اذ ان ما نشهده اليوم أقرب إلى مرحلة انتقال تاريخي ثقيلة، تتقاطع فيها خطوط الصراع الدولي مع ارتباك التحالفات الإقليمية، وتتشابك فيها الحرب في أوكرانيا مع أمن الخليج، وازمة مضيق هرمز،وترتبط فيها تطورات الاوضاع في العراق ولبنان، مع المواجهة المستمرة مع طهران.

خلال الفترة الماضية، اتضحت صورة كانت تتشكّل بصمت منذ سنوات، مفادها ان العالم لا يتجه نحو استقرار سريع، بل نحو إدارة طويلة للأزمات، فالولايات المتحدة ما زالت القوة الأبرز، لكنها لم تعد قادرة على ضبط كل الساحات كما في السابق، وأوروبا تبدو أكثر قلقاً وأقل ثقة، بينما تواصل روسيا القتال دون أن تتراجع، وتراكم الصين نفوذها بهدوء يستفز الاخرين.

خلال الايام الماضية شهدت الساحة الدولية موجة ( انسحابات ) تنبىء ان التحالفات القديمة، والتكتلات التاريخية، ربما تكون في طريقها نحو التفكك، او التآكل التدريجي، فداخل الحلف الغربي ظهرت نقاشات مقلقة حول مستقبل اجتماعات الناتو، وازدادت الخلافات بين اوروبا و واشنطن،التي قررت سحب ٥ الاف جندي من قواتها من المانيا وتلوًح بسحبها اعداد اخرى من اسبانيا و ايطاليا.

في هذه ظل هذه التطورات جاء القرار الإماراتي اللافت بالانسحاب من أوبك وأوبك+ ابتداءً من 1 أيار 2026 ،وهذا القرار لا يمكن قراءته كخطوة اقتصادية - نفطية فقط، صحيح أنه يمنح أبوظبي هامشاً أوسع في إنتاج النفط بعيداً عن قيود الحصص، لكن رمزيته السياسية أعمق من ذلك بكثير.

ان خروج دولة خليجية مؤثرة، من واحدة من أهم منظمات الطاقة في العالم،يعني أن زمن الالتزام الجماعي الصارم داخل التكتلات القديمة بدأ يتراجع، وأن الدول باتت تميل أكثر إلى حماية مصالحها المباشرة، حتى لو جاء ذلك على حساب الصيغ التقليدية للتنسيق.

في الخلفية، تقف أزمة مضيق هرمز بوصفها العنوان الأخطر، فالمضيق لم يعد مجرد ممر بحري، بل صار ( سلاحاً فتاكاً بيد طهران ) واختباراً لقدرة الخليج على حماية اقتصاده في لحظة انكشاف استراتيجي.
وعندما تصبح حركة الطاقة مرتبطة بمزاج الحرب، وحسابات إيران، وتردد واشنطن، فإن الدول المنتجة لا تعود تفكر فقط بسعر البرميل، بل بمصير الطريق الذي يعبر منه هذا البرميل ليصل إلى العالم.

ولهذا، فمن المتوقع ان نشهد حراكاً خليجياً هادئاً نحو تنويع الممرات، وبناء قدرات دفاعية ذاتية، وفتح قنوات تهدئة مع الخصوم، من دون التخلي عن التحالفات الكبرى، وهو الامر الذي اتضحت عناوينه العامة خلال اجتماع جدة الاسبوع الماضي.

من جانبها، تبدو الولايات المتحدة حاضرة بقوتها، لكنها أقل قدرة في النهاية على فرض ما تُريد ، فهي مشتتة بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وتدرك أن الصين تنتظر أي ارتباك غربي لتوسيع نفوذها في حقول الطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد، أما أوروبا، المنهكة بالحرب الأوكرانية وكلفة الدفاع والطاقة، فلم تعد قادرة على تقديم نفسها كضامن سياسي أو أمني مستقل في المنطقة.

هذه التحولات تضع القوى الإقليمية أمام سؤال صعب مفاده من يملأ الفراغ؟ فتركيا تتحرك ببراغماتية، وتريد دوراً واسعاً من سوريا إلى الخليج، لكنها تتحاشى الصدام المباشر مع القوى الكبرى، وباكستان تعود إلى المشهد بحكم ثقلها النووي وعلاقاتها الخليجية، لكنها تبقى مثقلة بحدود قلقة وأزمات داخلية.

أما إيران، فهي ليست في موقع يسمح لها بالتمدد المريح، لكنها أيضاً ليست دولة يمكن إخراجها من المعادلة بسهولة، لذلك ستسعى طهران إلى استخدام أوراقها بحذر أكبر، في العراق، ولبنان واليمن، والممرات البحرية، ولن تسعى غالباً إلى مواجهة جديدة، لكنها ستُبقي المنطقة تحت ضغط محسوب، يكفي للتفاوض ولا يصل بالضرورة إلى المواجهة المُميتة.

وسط هذا ، تبدو إسرائيل كقوة عسكرية متفوقة، لكنها تواجه مأزقاً سياسياً لا تحله القوة وحدها،فإضعاف الخصوم لا يعني بناء استقرار، ومشروعها الاستراتيجي لتوسيع خارطة الاتفاقيات الإبراهيمية سيبقى تنفيذه صعباً ما دامت غزة ولبنان وإيران تشكل مثلثاً ضاغطاً على الرأي العام العربي والاسلامي وعلى الحكومات.

المستقبل القريب على الارجح لن يحمل سلاماً كاملاً ولا حرباً شاملة بالضرورة، والأقرب أننا ذاهبون إلى فترة حرجة اهدافها ضبابية الى ابعد حد، وملامحها الرئيسية، تدور حول النزاعات المتجددة والتحالفات المرنة، وأسواق النفط المضطربة، والمسارات والممرات البديلة، والتوازنات الجديدة التي تُبنى تحت الضغط والحاجة، وانعدام البديل.

وفي مثل هذه المرحلة، فان على الدول العربية ان تعيد قراءة استراتيجياتها من جديد، انطلاقا من حقيقة لا تقبل التشكيك،مُلخصها، ان البلدان التي تنتظر الحماية من الخارج، ستبقى تحت التهديد، وان تبني خياراتها بنفسها دون إبطاء قبل أن تُفرض عليها خيارات الاطراف الآخرى، المنطلقة بالضرورة من اهدافها ومصالحها فقط.

theeb100@yahoo.com



مواضيع قد تهمك