د. جهاد يونس القديمات : ظاهرة التطوس في المنظمات، سلوك أم اضطراب؟
من المهم التأكيد ان مصطلح ظاهرة التطوس (من اسم الطاووس) في معناه المقصود في هذه المقالة، هو توصيف اجتهادي شخصي لا يستند الى اساس علمي مثبت ولا يندرج ضمن التصنيفات المعروفة في علم النفس، بل هو تعبير نشأ من ملاحظتي عبر سنوات من العمل في إدارة الموادر البشرية في عدة منظمات، سلوكيات متكررة في بيئات العمل والحياة الاجتماعية، حيث يظهر بعض الافراد ميلا واضحا الى التباهي والاستعراض، مما يدفعنا لمحاولة فهم هذا النمط ووضعه في اطار تفسيري يساعد على التعامل معه.
سلوك التطوس Peacocking Behavior هو حالة من الاستعراض المبالغ فيه للذات حيث يسعى الشخص الى لفت الانتباه من خلال تضخيم انجازاته او اظهار نفوذه او التلميح الى علاقاته وكأنه في عرض دائم امام جمهور لا يغيب، وهذا السلوك لا يظهر بشكل عابر بل يتكرر حتى يصبح سمة شبه ثابتة في طريقة الحديث والتفاعل.
يمكن رصد التطوس بسهولة في بعض بيئات العمل المحلية، فقد نجد موظفا لا يترك اجتماعا دون ان يعيد سرد انجازاته او مديرا يختصر نجاح الفريق في شخصه، او مسؤولا يبالغ في تقديم قراراته وكأنها انجازات استثنائية وفي المقابل يقل حضوره عند الفشل، وهذه الازدواجية تكشف ان المسألة ليست مجرد ثقة بالنفس بل حاجة مستمرة الى الظهور. هنا يبرز السؤال، هل نحن امام سلوك طبيعي يمكن ضبطه ام امام نمط نفسي اعمق؟، والجواب يبدأ من التفريق بين الفخر الصحي والتطوس، فالفخر بالانجاز امر مشروع بل ومطلوب احيانا لكنه يكون مرتبطا بمواقف محددة ولا يحتاج الى تكرار مستمر، بينما التطوس يقوم على الاستمرارية وعلى تحويل كل موقف الى فرصة للاستعراض حتى لو لم يكن هناك ما يستحق ذلك.
في هذا السياق، يمكن ملاحظة تقاطع بين التطوس وبعض سمات النرجسية، مثل تضخيم الذات والحاجة للاعجاب وضعف تقبل النقد، لكن هذا لا يعني ان كل متطوس هو شخص نرجسي، فالنرجسية نمط اعمق واكثر تعقيدا بينما التطوس قد يكون سلوكا مكتسبا نتيجة بيئة معينة او تجارب شخصية. في الكثير من الاحيان، يكون التطوس محاولة غير واعية لتعويض نقص داخلي، فقد يكون الشخص غير واثق من نفسه في العمق فيلجأ الى تضخيم صورته او يكون قد نشأ في بيئة لا تعترف الا بالمظاهر فيتعلم ان القيمة تقاس بما يظهر لا بما ينجز او يعمل في منظمة تشجع الصوت العالي اكثر من العمل الحقيقي فيجد نفسه مضطرا لمجاراة هذا النمط.
يتحول التطوس مع تكرار هذا السلوك من تصرف عابر الى اسلوب دائم، ومن اسلوب دائم الى نمط يؤثر على علاقات الشخص وصورته المهنية، وهنا يمكن وصفه مجازا بالظاهرة، ليس لانه اضطراب طبي، بل لانه اصبح حالة ملازمة لها اثار واضحة، هذه الاثار غالبا ما تكون سلبية على المدى البعيد، فعلى الرغم من ان التطوس قد يمنح صاحبه حضورا سريعا، الا انه يضعف مصداقيته مع الوقت حيث يكتشف الاخرون الفجوة بين القول والفعل، كما يؤدي الى نفور المحيطين لان التعامل مع شخص يحول كل حوار الى منصة استعراض يصبح مرهقا، ويدخل الشخص في دائرة مغلقة من الحاجة المستمرة للاعجاب فلا يعود قادرا على الشعور بالرضا دون اعتراف خارجي.
هنا تظهر اهمية التدخل المبكر قبل ان يتجذر هذا النمط، واول خطوة هي الوعي بالادراك ان التوازن بين اظهار الذات واحترام الاخرين هو مفتاح القبول، وان القيمة الحقيقية لا تحتاج الى تضخيم مستمر بل تثبت نفسها بالفعل،كما ان اعادة توجيه التركيز من الصورة الى الجوهر تعد خطوة اساسية، بحيث يصبح الهدف هو تحسين الاداء لا تحسين الانطباع، وهذا يتطلب ممارسة العمل بصمت احيانا وتقبل ان بعض الانجازات لا تحتاج الى اعلان.
اما على مستوى المنظمات، فمن الضروري بناء ثقافة عادلة تقوم على تقييم موضوعي بحيث لا يصبح الاستعراض وسيلة للترقي بل يصبح العمل الحقيقي هو المعيار، فحين يشعر الفرد ان جهده مرئي ومقدر تقل حاجته الى التطوس، كذلك تقديم تغذية راجعة صادقة، توضح للشخص اثر سلوكه على الاخرين، فالكثير من المتطوسين لا يدركون انهم يبالغون بل يظنون انهم يعبرون عن ثقة بالنفس.
يمكن القول ان ظاهرة التطوس ليست اضطرابا بالمعنى العلمي، بل سلوك قد يتحول الى نمط مزعج اذا لم يتم الانتباه له، وهي تذكير بان الانسان قد ينشغل احيانا بتلميع صورته اكثر من بناء حقيقته، وان الفرق بين الاثنين هو ما يصنع الاحترام الحقيقي، لا الضجيج المؤقت.