د. صالح سليم الحموري : من الحسين إلى ذوقان
في صباحٍ أردنيٍّ صافٍ، يشبه الذاكرة حين تكون صادقة، خرجتُ باتجاه "بيتي الريفي" في منطقة جبّه على طريق جرش، بعد أن وصلتُ من دبي ليلًا. لم تكن الرحلة مجرد انتقال مكاني، بل عبورًا هادئًا بين رمزين من رموز الدولة الأردنية؛ من الحسين إلى ذوقان.
مررتُ بشارع مدينة الحسين الطبية؛ ذلك الاسم الذي لا يُقرأ عنوانًا فحسب، بل كقصة وطن. الحسين بن طلال ليس مجرد ملك راحل، بل حالة إنسانية وسياسية شكّلت وجدان الأردنيين لعقود. وأن تقع المدينة الطبية على يمين هذا الشارع يعني أن الطريق نفسه يروي شيئًا من حضوره؛ في البناء، في الخدمة، وفي فكرة الدولة التي وضعت الإنسان في قلبها.
لكن ما شدّني أكثر لم يكن المرور في الشارع، بل المشهد نفسه. الأشجار على الجانبين تصطفّ كأنها حرسٌ أخضر، تمتد بثقة وهدوء، حتى ليخيّل إليك أنك تعبر غابةً مصقولة بعناية. يتسلّل الضوء بينها بنعومة، ويحمل الهواء رائحة أرضٍ تعرف أهلها. هناك انسجام نادر بين الطبيعة والتنظيم، بين الجمال والبساطة.
ومع مواصلة الطريق، يبلغ المشهد ذروته عند دوار المرحوم ذوقان الهنداوي. هنا ينتقل المعنى من الرمز الكبير إلى رجل الدولة الهادئ. لم يكن من الأسماء الصاخبة، بل من أولئك الذين يعملون بصمت ويتركون أثرًا عميقًا في بنية الدولة. حضوره في هذا المكان يبدو امتدادًا لفكرة الخدمة العامة التي بدأها الحسين، ولكن بأسلوب مختلف؛ أقل ضجيجًا وأكثر تركيزًا.
بين الحسين وذوقان، لا تبدو المسافة طويلة جغرافيًا، لكنها غنية دلاليًا. طريق يجمع بين قيادة صنعت التاريخ ورجال دولة حافظوا على تماسكه. وبينهما، تقف الأشجار شاهدة على أن الجمال في الأردن ليس في الطبيعة فحسب، بل في المعنى الذي تحمله الأمكنة؛ حيث تتحول إلى "سرديات" تُروى.
ذلك الصباح لم يكن عاديًا. كان تذكيرًا بسيطًا بأن بعض الطرق لا تُقاس بالكيلومترات، بل بما تتركه في النفس من هدوء وتأمل وانتماء. وهكذا يصبح للذكريات "معنى"، وللشوارع جماليات.