الأخبار

فراس النعسان :قمة جدة.. ما قبل العاصفة

فراس النعسان :قمة جدة.. ما قبل العاصفة
أخبارنا :  

لم تكن القمة التشاورية الخليجية التي اختتمت في جدة مجرد اجتماع فرضته لحظة طارئة، بل بدت أقرب إلى محاولة سياسية لقراءة ما وراء الهدوء المؤقت في الإقليم. فالمنطقة، رغم وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، لم تدخل بعد مرحلة استقرار يمكن البناء عليها، بقدر ما انتقلت إلى منطقة رمادية تتجاور فيها التهدئة مع احتمالات الانفجار. ومن هذه الزاوية، جاءت القمة كتحرك خليجي لالتقاط لحظة دقيقة قد تسبق إعادة رسم التوازنات، أو ربما تسبق عودة التصعيد نفسه.ما أعطى القمة أهميتها ليس فقط الملفات التي ناقشتها، بل إدراك دول الخليج أن ما يجري لم يعد يُقرأ كأزمة منفصلة، بل كمشهد مترابط تتداخل فيه حسابات الردع، وأمن الملاحة، واستقرار أسواق الطاقة، وموقع الخليج في معادلات المرحلة المقبلة. ولهذا بدا توحيد الموقف الخليجي في جدة ليس ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة فرضتها طبيعة اللحظة.

في قلب هذه الحسابات، برز مضيق هرمز باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية. فالمضيق لم يعد مجرد ممر بحري، بل تحول إلى اختبار سياسي واستراتيجي مفتوح. أي تهديد له لا يُقرأ فقط من زاوية الملاحة، بل باعتباره تهديداً مباشراً للتوازن الاقتصادي العالمي. ومن هنا حمل التشديد الخليجي على أمنه معنى يتجاوز الدفاع عن المصالح المباشرة، إلى تثبيت رسالة بأن أمن هذا الممر جزء من معادلة استقرار لا يجوز تحويلها إلى أداة ضغط أو ابتزاز.

لكن البعد الأهم في القمة ربما لم يكن فيما قيل علناً، بل فيما يمكن قراءته ضمنياً. فحين ينعقد هذا المستوى من التشاور الخليجي في ظل هدنة غير مستقرة، يصبح من المشروع النظر إلى القمة بوصفها أيضاً استعداداً لاحتمال أن الهدنة نفسها قد لا تصمد طويلاً. وهذا لا يعني توقع عودة وشيكة للحرب، بقدر ما يعكس إدراكاً بأن المنطقة ما زالت تتحرك داخل توازن هش، وأن سيناريو التصعيد لم يُغلق بالكامل.

من هنا، يمكن فهم التركيز على معادلة تجمع بين دعم التهدئة والحفاظ على الردع. فهذه ليست صيغة نظرية، بل محاولة للتعامل مع واقع معقد: كيف تُمنح الدبلوماسية فرصة، من دون أن يُفهم ذلك فراغاً في القوة؟ وكيف يُحمى الاستقرار من دون أن يصبح رهينة اختبار دائم من القوى المتصارعة؟ في هذا السياق، يظهر توحيد الخطاب الخليجي كجزء من بنية الردع نفسها. فالرسائل السياسية الموحدة ليست مجرد بيانات متطابقة، بل أدوات تأثير. حين يتحدث الخليج بصوت واحد، يصبح أكثر قدرة على التأثير في حسابات الآخرين، وأقل عرضة لأن يُدار المشهد من خارجه. وهذه إحدى الرسائل المركزية التي خرجت بها جدة.

ولا يمكن فصل ذلك عن الدور السعودي في هذه اللحظة. فالمملكة بدت من خلال القمة وكأنها تتحرك لتثبيت موقع الخليج كشريك في صياغة المرحلة المقبلة، لا كطرف ينتظر نتائج ترتيبات تُصنع بعيدًا عنه. وهذا بحد ذاته يحمل دلالة تتجاوز الشكل البروتوكولي للقمة.

لكن القراءة الأكثر إثارة أن قمة جدة ربما لم تكن فقط لإدارة ما بعد الحرب، بل أيضاً لإدارة ما قبل احتمال عودتها. فثمة إدراك متزايد أن وقف إطلاق النار، مهما بدا مهماً، ليس ضمانة نهائية. وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما تكون الهدن فترات لإعادة ترتيب موازين القوة، لا نهاية للصراع. من هنا، يمكن قراءة القمة بوصفها بناءً مبكراً لمظلة سياسية وأمنية إذا ما عادت المنطقة إلى حافة المواجهة.

هذه الزاوية تمنح القمة وزناً مختلفاً. فهي ليست مجرد دعم للتهدئة، بل تحوط لما قد يأتي إذا تعثرت. وكأن الرسالة الخليجية تقول إن الاستقرار لا يُبنى على حسن النوايا وحده، بل على استعداد مسبق لاحتمالات الاختلال.

في المحصلة، لم تكن قمة جدة حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل محاولة لتثبيت توازن دقيق في لحظة يتجاور فيها خطر التصعيد مع فرص التهدئة. وإذا كانت قد نجحت في شيء، فهو أنها قدّمت إشارة واضحة إلى أن الخليج لا يكتفي بقراءة المشهد، بل يسعى إلى التأثير فيه.

وهذا، ربما، هو جوهر ما خرجت به جدة: إدارة ما قبل العاصفة، قبل أن تُقرر المنطقة إن كانت تتجه نحو تسوية أم نحو اختبار جديد للقوة.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك