الأخبار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : الأردن في الوجدان اللبناني

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : الأردن في الوجدان اللبناني
أخبارنا :  

جسدت التوأمة بين الفن اللبناني والأردن حالة وجدانية فريدة تجاوزت حدود الجغرافيا وافاق السياسة، لتصبح مثالاً حياً على وحدة المصير الجمالي في المشرق العربي. إن هذا الوجدان الذي استوطنته جبال لبنان وسهول الأردن، اسس لتجليات مرهفة شارك فيها كبار المبدعين اللبنانيين الذين أفردوا للأردن جانباً مهما من نتاجهم الشعري والموسيقي، معبرين عن حب عميق تجذر في ثنايا القصيدة واللحن.

من بين ثنايا هذا الالهام المشترك تجلت عبقرية سعيد عقل التي نحتت للأردن صورة ايقونية، مروراً بصوت فيروز الذي اضحى نشيداً للتراب الأردني، وصولاً إلى وديع الصافي، وجوزيف عازر، وماجدة الرومي، ثم الى الجيل المعاصر الذي لم ير في الاردن مجرد محطة فنية، بل بيتاً وجمهوراً يقدّر الكلمة الراقية والشعور الصادق.

لم يكتب سعيد عقل للأردن من منطلق المديح التقليدي، بل انشد بفلسفة ترى المكان رمزاً للسمو والتألق. قصيدته «أردن أرض العزم» غدت وثيقة فنية وطنية يترنم بها الأردنيون، وهي تحمل في طياتها رؤية لبنانية استثنائية للأردن. في هذه القصيدة ابتدع الشاعر معادلة بصرية ووجدانية مذهلة، فهو يصف الأردن بأنه «في حجم بعض الورد»، من الرقة والوداعة، ولكنه محمي بشوكة القوة والبطولة. وفي رائعته الأخرى «عمان في القلب»، ينتقل سعيد عقل إلى فضاء المناجاة الوجدانية. يقول: «عمان في القلب، أنت الجمر والجاه، ببالي عودي مري مثلما الآه»، فهي الجمر الذي يوقد المشاعر، والجاه الذي يمنح الفخر.

وبالطبع لا يمكن فصل شعر سعيد عقل عن حنجرة السيدة فيروز وألحان الأخوين رحباني، فهذا الابداع المشترك هو الذي نقل الحس اللبناني إلى كل بيت أردني. لقد كانت فيروز الصوت الذي يمنح الكلمات قدسيتها، بينما يرسم الرحابنة للأردن لوحات موسيقية خالدة. اعمالهم الملهمة ولجت الى القلوب والعقول، واستقرت في اعماق الثقافة الاردنية، وباتت جزأ اصيلا من الهوية الوطنية.

اما عمالقة الجبل اللبناني، فقد غرسوا فنهم في تراب الأرض الأردنية، محاكين في أصواتهم عنفوان البادية وشموخ سفوح الاردن. لقد كانوا فرسان المهرجانات الاردنية وعبرت اصواتهم عن عظمة الأرز في العديد من الأعمال المسرحية والاوبيريتات التي عرضت في مدرجاتنا الرومانية ومسارحنا على مدى الوطن. من منا لا يهيم عشقا بـ «عرشك مرمر»، او «يا حب كبر الوعد»، و»يا ديرتي ديرة كرم ورجال»؟ او «اعود وكلي حنين»؟

إن التقدير الأردني لهذا العطاء، الذي تمثل في الأوسمة الملكية السامية الممنوحة للمبدعين اللبنانيين، وفي الحب الشعبي العارم العابر للازمان، يؤكد أن الأردن بلد يعرف كيف يكرم من أحبه. وستبقى أسماء مثل فيروز، وديع الصافي، ماجدة الرومي، وجوزيف عازر، وغيرهم كثر، محفورة في ذاكرة الأردنيين كرموز للوفاء والجمال. إن هذه الملحمة الفنية هي الدليل الأكبر على أن الوجدان العربي هو حقيقة واقعة، وأن الفن الاصيل يقدر دور الأردن الذي كان دائماً أرض العزم، وحضن المبدعين.

عاش لبنان حرا، اصيلا، ومبدعا.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك