فراس النعسان : جولة عراقجي.. دبلوماسية الساعات الأخيرة
خلال الساعات الأربع والعشرين المقبلة، يبدو الشرق الأوسط أمام اختبار أخير قبل انزلاق محتمل إلى جولة حرب جديدة. جولة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بين باكستان وعُمان، ثم عودته إلى باكستان، وصولاً إلى اجتماعه المرتقب مع روسيا، لا توحي بمناورات بروتوكولية، بل تشير إلى مسار إنقاذ يُصاغ تحت ضغط الوقت، في لحظة يعتقد فيها كثير من المحللين أن نافذة التهدئة تضيق بسرعة.
القراءة السائدة في تحليلات دوائر القرار الأمريكية، كما انعكست في مناقشات تناولتها صحف كبرى مثل وول ستريت جورنال وواشنطن بوست ونيويورك تايمز، تنطلق من فرضية أساسية، وهي أن الحرب لم تغب، بل تم إرجاؤها. بمعنى أن احتمالات استئناف المواجهة العسكرية قائمة، لكن القرار النهائي لم يُتخذ بعد، لأن قنوات الرسائل الخلفية لم تُغلق تماماً.
من هنا يمكن فهم حركة عراقجي. فباكستان تمثل قناة سياسية يمكن لطهران استخدامها لاختبار الموقف الأمريكي بصورة غير مباشرة. أما عُمان، فهي ليست وسيطاً جديداً، بل خزنة أسرار التفاهمات الصعبة بين واشنطن وطهران منذ سنوات. عندما يعود وزير الخارجية الإيراني إلى مسقط في هذه اللحظة تحديداً، فذلك لا يعني فقط بحث تهدئة، بل مراجعة شروط تفاوض جديدة ربما حملتها رسائل أمريكية مختلفة عن تلك التي سبقت التصعيد.
الأهم، في تقديري أن طهران لا تتحرك الآن من موقع المناورة التقليدية، بل من إدراك أن استمرار الحرب قد يحمل تكلفة استراتيجية تتجاوز قدرتها على الاحتمال، خصوصاً إذا توسعت الضربات أو دخلت البنية الاقتصادية الإيرانية في دائرة استنزاف مفتوح. ولهذا يُقرأ التحرك الإيراني باعتباره محاولة لشراء تسوية، لا مجرد شراء وقت.
لكن ما الذي يمكن أن يدفع إيران نحو مرونة أكبر هذه المرة؟ الجواب، كما يرد في بعض التقديرات الغربية، يكمن في احتمال وجود رسائل أمريكية تتضمن ما يشبه «مخرجاً مشرفاً». ليس تنازلاً أمريكياً، بل صيغة تسمح لطهران بالعودة إلى طاولة التفاوض من دون أن تبدو وكأنها رضخت تحت الضغط العسكري. هذا النوع من الصياغات كثيراً ما يصنع الفرق بين الحرب والتسوية.
هنا تأتي موسكو بوصفها الحلقة الأكثر حساسية. لقاء عراقجي مع وزير الخارجية الروسي ليس مجرد تنسيق مع حليف، بل محاولة لبناء رؤية مشتركة حول سقف التفاوض وحدود التصعيد. روسيا تدرك أن عودة الحرب قد تُربك مصالحها الإقليمية، كما تدرك إيران أنها لا تستطيع الذهاب إلى تفاوض كبير من دون غطاء سياسي روسي. ولهذا يبدو الاجتماع أشبه بغرفة مراجعة أخيرة قبل اتخاذ القرار.
ومع ذلك، لا تزال فرضية الحرب قوية. ولا نُغفل أن هناك تيارا بين المحللين الأمريكيين يرى أن ما يجري الآن ليس مسار سلام، بل تمهيد لشروط مواجهة مؤجلة. وفق هذا التصور، التحركات الدبلوماسية لا تلغي الحرب، بل تؤسس لنسختها المقبلة، لأن الخلافات الجوهرية لم تُحل، ومن أهمها البرنامج النووي، وأمن الملاحة، وقواعد الردع، وترتيبات النفوذ الإقليمي.
بمعنى آخر، السؤال لم يعد: هل تقع الحرب؟ بل: هل يمكن تأجيلها بثمن سياسي مقبول للطرفين؟ في هذا السياق، الساعات المقبلة تبدو فاصلة؛ لأن طهران أمام خيارين واضحين، فإما استثمار الرسائل القادمة عبر عُمان وباكستان لفتح مسار تفاوض مختلف، وربما أكثر مرونة؛ أو اعتبار هذه الرسائل محاولة لانتزاع تنازلات، فتعود إلى منطق الصدام.
التاريخ يقول إن الحروب الكبرى كثيراً ما توقفت قبل دقائق من اندلاعها، وكثيراً ما اندلعت بعد جولات تفاوض بدت واعدة. ولهذا لا يجوز قراءة جولة عراقجي بوصفها دليلاً على انفراج حتمي، ولا كإشارة يأس. إنها أقرب إلى محاولة أخيرة لالتقاط تسوية من حافة النار.
إذا نجحت هذه التحركات، فقد نكون أمام إعادة إنتاج لمسار تفاوضي جديد، بشروط أقل تصلباً من السابق. وإذا فشلت، فربما تكون هذه الجولة الدبلوماسية مجرد الهدوء الذي يسبق العاصفة.
ولهذا، ليست الأربع والعشرون ساعة المقبلة مجرد وقت إضافي بل ربما هي المهلة الأخيرة. ــ الدستور