الأخبار

جهاد المنسي : نريد حرية رأي ولا نريد فوضى

جهاد المنسي : نريد حرية رأي ولا نريد فوضى
أخبارنا :  

لم تعد المعارك تُخاض اليوم على حدود الدول فقط، بل انتقلت إلى شاشات الهواتف، حيث تُخاض يومياً حرب صامتة تستهدف العقول والسمعة والهوية الوطنية. فهناك، في فضاء بلا ضوابط كافية، تُصنع روايات، وتُفبرك قصص، وتُطلق أحكام، وكأن الوطن ساحة مفتوحة لكل من أراد العبث بثوابته أو النيل من رموزه.

وقد جاءت مداخلة رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز في الجلسة الأخيرة من عمر الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة العشرين لتضع يدها على جرح آخذ بالاتساع، وهو خطاب الكراهية والتحريض الذي يتسلل عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستهدفاً النيل من النسيج الوطني؛ خطاب لا يكتفي بإثارة النعرات الإقليمية والجهوية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة تفكيك الثقة بين الدولة ومواطنيها.
الأردن، الذي لطالما تميز بتماسكه الداخلي رغم كل العواصف، يواجه تحدياً من نوع مختلف، فالنعرات الإقليمية والجهوية التي حذر منها الفايز، لم تعد تُهمس في المجالس الضيقة، بل تُبث على الملأ، وتُضخم عبر خوارزميات تفضل الإثارة على الحقيقة، والانقسام على التماسك؛ وهنا تكمن الخطورة، حين تتحول الأكاذيب إلى «ترند»، ويصبح التشكيك بالمؤسسات سلوكاً اعتيادياً، فإننا نكون أمام تهديد مباشر للأمن الاجتماعي.
وسائل التواصل الاجتماعي، التي كان يُفترض أن تكون مساحة للتعبير الحر، تحولت في بعض الأحيان إلى منصات لاغتيال الشخصية، حيث يكفي منشور واحد أو تسريب مجتزأ لتدمير سمعة إنسان، دون دليل، ودون مساءلة، ودون أدنى اعتبار للحقيقة.
والأخطر من ذلك، أن هذه الحملات لا تستثني أحداً، فقد طالت شخصيات وطنية، ومن بينها الفايز نفسه، حيث جرى تداول وتسريب قصص ومعلومات بهدف التشويه، رغم أن ما تم نشره لم يتضمن أي مخالفة؛ ومع ذلك، تم تقديمه للرأي العام بطريقة توحي بعكس ذلك، في محاولة مكشوفة لصناعة «قضية» من لا شيء، وتغذية الشكوك في نفوس الناس.
هذه الممارسات لا تعكس حرصاً على النزاهة كما يدعي البعض، بل تكشف عن نزعة خطيرة لتشويه السمعة، وتصفية الحسابات، وتغليب الإثارة على الحقيقة. وما يستدعي التوقف بعمق، هو البعد الإنساني والاجتماعي لهذه الظاهرة، فالتواصل الاجتماعي، في صورته المنفلتة، بات يغتال الشخصيات دون محاكمة، ويصدر أحكاماً جماعية دون أدلة، ويخلق بيئة نفسية ضاغطة على الأفراد، قد تؤثر على حياتهم المهنية والاجتماعية، بل وعلى استقرارهم النفسي. إذ لم يعد الأمر يقتصر على النقد، بل تجاوز إلى التشهير المنظم، والتسريب الانتقائي، والاجتزاء المتعمد للوقائع.
حقيقةً نحن أمام خلل عميق في منظومة الوعي؛ فليس كل ما يُنشر صحيحاً، وليس كل ما يُتداول يستحق التصديق، لكن في ظل غياب التدقيق، تتحول الأكاذيب إلى وقائع، والتشكيك إلى قناعة. وقد سبق لجلالة الملك عبد الله الثاني أن حذر مراراً من خطورة المساس بالوحدة الوطنية، مؤكداً أنها خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وهو تحذير يستند إلى تجربة دولة أدركت مبكراً أن أخطر ما يمكن أن يواجهها ليس التهديد الخارجي، بل الانقسام الداخلي.إن ما أشار إليه الفايز يضع الجميع أمام مسؤوليات واضحة، أبرزها أن الدولة مطالبة بتطبيق القانون بحزم على كل من يروج لخطاب الكراهية أو يبث خطاباً إقليمياً فاسداً، كما حصل في التعليقات التي رافقت فيديو نُشر مؤخراً؛ أولئك يجب ملاحقتهم وتقديمهم للقضاء، ووضع حد لمثل أولئك المؤزّمين الذين يتغذون على تلك الشعارات. والنخب أيضاً مطالبة برفع مستوى الخطاب العام، والمجتمع مطالب بعدم الانجرار وراء الإشاعات، أو المساهمة في نشرها؛ فالسكوت على هذه الظواهر لا يعني الحياد، بل يفتح الباب أمام المزيد من الفوضى، ويشجع على تكرارها، وإذا لم يتم التصدي لها بوعي وحزم، فإنها ستتحول إلى ثقافة، تُضعف الثقة، وتُفكك الروابط، وتُهدد الاستقرار.
في النهاية، المعركة ليست ضد حرية التعبير، بل ضد إساءة استخدامها؛ ليست ضد النقد، بل ضد التشهير؛ وليست ضد الاختلاف، بل ضد التحريض. وبين هذه الحدود، تتحدد ملامح المرحلة، ويتقرر ما إذا كنا سنحافظ على قوة مجتمعنا، أم نسمح بتآكله من الداخل.

مواضيع قد تهمك