الأخبار

كابتن اسامة شقمان : في يوم الطيار العالمي

كابتن اسامة شقمان : في يوم الطيار العالمي
أخبارنا :  

في يوم الطيار العالمي، لا أحتفل بمهنةٍ عشتها، بل أتأمل رحلةً عاشتني. أكثر من أربعين عامًا وأنا أتنقل بين المطارات والغيوم، بين الإقلاع والهبوط، حتى أدركت أن الطيران لم يكن انتقالًا في المكان بقدر ما كان انتقالًا في المعنى.

في البدايات، كان الحلم بسيطًا في شكله، عظيمًا في أثره. شابٌ يقف على أرضٍ محدودة، وعيناه معلّقتان بسماءٍ لا حدود لها. لم أكن أفهم آنذاك أن السماء لا تُعطى لمن يشتاق إليها فقط، بل لمن يستعد لها، لمن يقبل أن يمرّ بطريقٍ طويل من الانضباط، والخوف، والتعلّم الصامت. أول درسٍ تعلمته لم يكن كيف أطير، بل كيف أكون جديرًا بالطيران.

حين جلستُ لأول مرة في قمرة القيادة، شعرت أنني أمام مرآةٍ تكشف حقيقتي. لم يكن هناك مجالٌ للتظاهر، ولا مساحةٌ للخطأ غير المحسوب. الطيران يجرّد الإنسان من أوهامه؛ إما أن تكون حاضرًا بكل وعيك… أو لا تكون. ومع أول إقلاع، أدركت أن الارتفاع ليس مجرد حركةٍ إلى الأعلى، بل امتحانٌ لما في الداخل: هل تستطيع أن تترك الأرض دون أن تفقد اتزانك؟ هل تملك الشجاعة لتواجه المجهول بثقةٍ لا يغذيها الغرور؟

مرّت السنوات، وتكرّرت الرحلات، لكن السماء لم تكن يومًا مكرّرة. كل رحلةٍ كانت درسًا، وكل عاصفةٍ كانت رسالة. تعلّمت أن الهدوء ليس غياب الرياح، بل القدرة على الثبات وسطها. وأن الطيار الحقيقي ليس من يقود الطائرة في الظروف المثالية، بل من يحسن الاختيار حين تختلط الطرق، ويُبقي الطمأنينة حيّة في قلبه قبل أن ينقلها إلى من معه.

ومن أعظم ما علّمتني السماء أن التوازن سرّ البقاء. الطائرة لا تستقيم إلا حين تتوزع قواها بدقة، وكذلك الإنسان. إن مال القلب دون عقلٍ أضاعه، وإن قسا العقل دون قلبٍ أرهقه. والحياة، كرحلة الطيران، تحتاج إلى هذا الاتزان الخفي الذي لا يُرى… لكنه يُنقذ.

ثم أدركت، بعد آلاف الساعات في الأعالي، أن الارتفاع لا يمنحك العظمة كما يظن البعض، بل يكشف لك صِغَر كل شيء. المدن التي تبدو عظيمة من الأرض، تصبح نقاطًا متشابهة من السماء. وهنا تتجلّى الحكمة: كلما ارتفعت، ازددت تواضعًا، لأنك ترى الحقيقة مجرّدة من الزخرف.

واليوم، بعد أن تركت قمرة القيادة، لم أترك الطيران في داخلي. فما زالت روحي تعرف طريقها إلى الاتزان، وما زال قلبي يقرأ الرياح وإن سكنت. أدركت أن أعظم الرحلات ليست تلك التي قطعتها بين القارات، بل تلك التي قطعتها داخل نفسي؛ من خوف البداية إلى سكينة النهاية.

موعظة العمر التي خرجت بها بسيطة… لكنها عميقة: لا تسعَ للارتفاع وحده، بل اسعَ لأن تعرف لماذا ترتفع. لا تخف من العواصف، فهي التي تعلّمك معنى الثبات. ولا تغترّ بصفاء السماء، فالدروس الحقيقية تُكتب في اللحظات الصعبة.

في يوم الطيار العالمي، أقول لكل من يحلم بالتحليق: السماء ليست مكانًا تصل إليه… بل حالةٌ تصبح عليها. فإذا عرفت نفسك، واتزنت، وصبرت، ستدرك أن الطيران لم يكن يومًا في الأجنحة… بل في الروح.

مواضيع قد تهمك