جمال الكشكشي : عودة الدفاتر القديمة
حين يخسر التاجر يفتح الدفاتر القديمة، يقلب الصفحات، يبحث عن ديون يمكن استعادتها، كانت تبدو شبه معدومة.
في المشهد الأميركي الراهن يبدو التاجر مثقلاً بخسائر النفوذ، فيقرر فتح
أرشيفه السياسي المنسي، كأنه يستعيد ذاكرة الحلفاء، في لحظة تتزامن مع
ارتباك الحرب على إيران، وتتصدع فيها علاقات حلف الناتو، بين الذي قاتل
معه، والذي تردد، والذي حاول أن يقف على مسافة آمنة من النار.
في هذا السياق خرج إلى العلن بريد إلكتروني مسرب من داخل وزارة الحرب
الأميركية (البنتاغون)، نص شديد الاختصار في شكله، شديد الامتداد في معناه،
يتناول إعادة تقييم موقف الولايات المتحدة من دعم السيادة البريطانية على
جزر فوكلاند، ويضع الملف ضمن حزمة أوسع من أدوات الضغط على حلفاء الناتو
الذين لم ينسجموا مع الإيقاع العسكري الأمريكي في المواجهة مع إيران.
التسريب أشار إلى خيارات سياسية تتدرج بين تقليص الدعم الدبلوماسي لقضايا
تاريخية أوروبية، وإعادة النظر في مظلات الحماية الرمزية التي تشكلت منذ
نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي الخلفية يظهر تصور أميركي أكثر صرامة
للعلاقات داخل الحلف الأطلسي، يقوم على قاعدة المشاركة الفعلية في العمليات
الجارية في الشرق الأوسط، مقابل استمرار الامتيازات السياسية القديمة،
وكأن التحالف يعاد تعريفه وفق منطق الاشتراك في الحرب، وليس منطق الرفقة في
التاريخ.في لندن ارتفع التوتر بسرعة تليق بتاريخ إمبراطورية حكمت البحار،
حين كانت الخرائط تُلون بلون واحد، لون الإمبراطورية التي لا تغيب عنها
الشمس. وقد جاء الرد البريطاني حاداً، مؤكداً أن جزر فوكلاند جزء من
السيادة البريطانية، وأن سكانها اختاروا هذا الارتباط عبر استفتاءات
متكررة، وأن هذا الوضع يمثل حقيقة سياسية مستقرة لا تخضع للمراجعة.
وراء هذا الخطاب يظهر قلق أعمق، قلق من فكرة أن ملفات الإمبراطورية القديمة
قد تعاد قراءتها خارج سياقها التاريخي الذي تم تثبيته منذ قرون، وكأن
التاريخ نفسه لم يعد مرجعاً ثابتاً، إنما مادة قابلة لإعادة التدوير
السياسي.
جزر فوكلاند تقع في جنوب المحيط الأطلسي شرق السواحل الأرجنتينية، وتبعد
آلاف الكيلومترات عن بريطانيا، وتتكون من جزيرتين رئيسيتين وعدد من الجزر
الصغيرة، وتبلغ مساحتها نحو 12 ألف كيلومتر مربع، بينما لا يتجاوز عدد
سكانها ثلاثة آلاف نسمة. طبيعتها قاسية، رياح قطبية، وبحر مفتوح، غير أن
موقعها يجعلها نقطة تقاطع بين الذاكرة الاستعمارية وصراعات السيادة
الحديثة.
بريطانيا أحكمت سيطرتها الفعلية على الجزر عام 1833 في ذروة التوسع البحري
للإمبراطورية، حين كانت الموانئ والممرات البحرية جزءاً من منظومة نفوذ
عالمي. ومنذ ذلك التاريخ بقيت الجزر تحت الإدارة البريطانية، بينما استمرت
الأرجنتين في اعتبارها جزءاً من أراضيها التاريخية الموروثة عن الحقبة
الاستعمارية الإسبانية.
التوتر انفجر عام 1982 حين قررت الأرجنتين استعادة الجزر بالقوة، فاندلعت
حرب قصيرة شديدة الكثافة في أقصى جنوب الأطلسي، انتهت خلال أسابيع بانتصار
بريطاني أعاد تثبيت السيطرة، وخلّفت مئات القتلى وذاكرة عسكرية ما زالت
حاضرة في الخطاب السياسي لدى الطرفين.منذ تلك اللحظة تحولت فوكلاند إلى رمز
مزدوج، رمز لاستمرار القوة البريطانية خارج جغرافيتها الطبيعية، ورمز لجرح
أرجنتيني يتجدد مع كل اهتزاز في النظام الدولي.
والآن يعود هذا الرمز إلى الطاولة من جديد في سياق مختلف، حيث لم تعد
النزاعات الإقليمية معزولة عن شبكة التحالفات العالمية، ولم تعد الملفات
القديمة محصورة في أماكنها الأصلية.
الأرجنتين ترى في هذا التحول فرصة لإعادة إدخال قضيتها التاريخية إلى قلب
النقاش الدولي، خصوصاً حين تُستخدم القضايا القديمة ضمن أدوات الضغط بين
القوى الكبرى.وفي المقابل تتحول الجزر الصغيرة إلى ورقة رمزية داخل لعبة
نفوذ أكبر، تمتد من الأطلسي إلى الشرق الأوسط، حيث تعيد الحرب مع إيران
تشكيل أولويات الغرب وإعادة توزيع مواقعه داخل التحالفات.
في هذا السياق لم يعد الشرق الأوسط مسرحاً منفصلاً، إنما بات مركز الثقل
الذي يعيد سحب الملفات القديمة من أرشيف النظام الدولي، وقد باتت الحرب فيه
تفرض مفهوماً جديداً للتحالفات، وتدفع باتجاه فتح قضايا ظلت مغلقة لعقود،
ومن ضمنها قضايا السيادة في الأطراف البعيدة من العالم.المشهد في مجمله
يكشف حالة إعادة تدوير للتاريخ داخل السياسة الدولية، حيث تتحول الجزر
الصغيرة إلى رموز في صراع نفوذ واسع، وتتحول التسريبات إلى أدوات لإعادة
رسم التوازنات.
وكل هذا من تداعيات الشرق الأوسط، قلب العالم القديم والحديث، إذ امتدت
زلازله إلى لندن وجزر فوكلاند، وأعادت أسماء مثل مارغريت تاتشر، قائدة
الهجوم على الأرجنتين، إلى ذاكرة الحرب الراهنة، وجعلت رموز السياسة
الأميركية، مثل رونالد ريغان، تعود إلى واجهة الحسابات القديمة.
وفي النهاية يبدو أن التاجر الذي يفتش في دفاتره القديمة لا يبحث عن
الماضي، إنما يعيد تسعير الحاضر، ويضع السعر في دفتر واحد، تتداخل فيه
الحرب والذاكرة والسيادة.