أ. د. هاني الضمور : الصلاة كنظام توازن: كيف تعيد الإنسان إلى ميزان الكون؟
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتزداد فيه الضغوط النفسية والتفكك الاجتماعي، لم يعد السؤال فقط كيف نعيش، بل كيف نستعيد توازننا. في هذا السياق يقدّم القرآن تصوراً مختلفاً للوجود؛ فالإنسان لا يعيش في فراغ، بل داخل نظام كوني قائم على ميزان دقيق. يقول تعالى: «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ». هذا الميزان لا يقتصر على الظواهر الكونية، بل يتجاوزها ليصبح مبدأً يحكم الحياة كلها، وكأن الرسالة الأساسية هي أن كل شيء قائم على التوازن، وأن الإنسان ليس خارج هذا النظام، بل جزء منه.
عندما يختل سلوك الإنسان بالظلم أو الطغيان أو التمييز، فإن الخلل لا يكون أخلاقياً فحسب، بل يتجاوز ذلك ليصبح خللاً في انسجامه مع هذا النظام العام. يظهر هذا في الواقع بوضوح؛ فالظلم يولّد القلق والخوف، والتكبر يعزل الإنسان عن الآخرين، والمقارنة المستمرة تزرع داخله شعوراً دائماً بالنقص أو الغرور. وهنا يأتي التصحيح القرآني ليعيد ضبط هذا الانحراف من جذوره، كما في قوله تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ». هذه الآية لا تقدم معياراً أخلاقياً فحسب، بل تؤسس لحالة من التوازن النفسي، حيث يتحرر الإنسان من ضغط المقارنات ومن أوهام التفوق أو الدونية، ويستقر على معيار داخلي واضح.
لكن القرآن لا يتعامل مع الإنسان ككائن منفصل، بل يضعه ضمن جماعة تتأسس على وحدة القيم، كما في قوله تعالى: «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً». هذه الوحدة تشبه في بنيتها انسجام الكون، حيث تعمل الأجزاء المختلفة ضمن نظام واحد متكامل، لا في حالة صراع أو تفكك. غير أن هذه الوحدة لا يمكن أن تبقى فكرة نظرية، بل تحتاج إلى ممارسة يومية تعيد تشكيل الإنسان باستمرار وتربطه بهذا الإطار العام.
هنا تأتي الصلاة لتؤدي هذا الدور المحوري. يقول تعالى: «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي»، والذكر في هذا السياق لا يعني مجرد ترديد الكلمات، بل يشير إلى حالة وعي مستمرة تعيد الإنسان إلى مرجعيته. تتحول الصلاة بذلك إلى لحظة توقف داخل زحام الحياة، وإلى فرصة متكررة لإعادة توجيه الانتباه، وكأنها عملية إعادة ضبط يومية تعيد ترتيب الداخل الإنساني وتمنحه وضوحاً ومعنى.
وعند تأمل هيئة الصلاة، يظهر بعدها النفسي والاجتماعي بوضوح. فالناس يقفون في صف واحد، تختفي فيه الفوارق الظاهرة بين غني وفقير أو قوي وضعيف، ويتكرر هذا المشهد بشكل يومي حتى يتحول إلى تدريب نفسي عميق يرسّخ المساواة ويكسر مشاعر الكبر أو النقص. لا تبقى الفكرة مجرد مبدأ نظري، بل تصبح تجربة معاشة تعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين.
ولا تقتصر الصلاة على هذا البعد، بل تمتد لتربط الإنسان بإيقاع الزمن نفسه. فهي موزعة على أوقات محددة من اليوم، من الفجر إلى العشاء، بحيث يعيش الإنسان ضمن نظام زمني منتظم في عالم يميل إلى الفوضى. هذا الانتظام يمنح الحياة إيقاعاً واضحاً، ويخفف من التشتت، ويعزز الشعور بالاستقرار، وكأن الإنسان يُعاد ربطه بحركة الكون المنتظمة.
وإذا نظرنا إلى أثر ذلك في الواقع، يمكن تصور إنسان يعيش حالة من الفوضى اليومية، حيث يختلط عليه الوقت وتتراكم الضغوط ويتشتت ذهنه، ثم يبدأ بالانتظام في الصلاة، فيجد أن يومه أصبح أكثر وضوحاً، وأن ذهنه حصل على لحظات متكررة من الصفاء، وأن علاقته بنفسه وبالآخرين بدأت تستقر تدريجياً. ما يحدث هنا ليس تغيراً طارئاً، بل عودة تدريجية إلى حالة التوازن، عودة إلى «الميزان».
بهذا المعنى، لا تبدو الصلاة عبادة منفصلة عن الحياة، بل جسر يربط بين أبعادها المختلفة. فهي تعيد للإنسان توازنه النفسي، وتعزز انتماءه إلى جماعة قائمة على الوحدة، وتربطه بنظام كوني أوسع يقوم على الدقة والانسجام. وبينما يستمر الكون في حركته المنتظمة، تبقى الصلاة دعوة يومية للإنسان أن يعود إلى هذا الانسجام، وأن يعيش ضمن ميزان لا يختل إلا حين يبتعد عنه.
والله أعلم