الأخبار

من مسافر يطا إلى صناديق الاقتراع… انتخابات فلسطينية في مواجهة العدوان

من مسافر يطا إلى صناديق الاقتراع… انتخابات فلسطينية في مواجهة العدوان
أخبارنا :  

في قرية التوانة، إحدى تجمعات مسافر يطا جنوب الضفة الغربية المحتلة، لا تبدو الانتخابات المحلية حدثًا اعتياديًا. فهنا، حيث يعيش السكان تحت وطأة تهديدات مستمرة بالتهجير واعتداءات متكررة من المستوطنين، تتحول صناديق الاقتراع إلى ما يتجاوز معناها الإداري، لتغدو، في نظر كثيرين، فعلًا من أفعال البقاء.
يقول المرشح الشاب محمد خضر العمور (28 عامًا)، الذي يخوض الانتخابات لعضوية المجلس القروي، إن خوضه هذه التجربة يأتي «انطلاقًا من قناعة أن التغيير ممارسة مسؤولة، وليس مجرد شعار»، مضيفًا أن العمل البلدي، في مناطق مثل مسافر يطا، لم يعد يقتصر على تقديم الخدمات، بل يرتبط بشكل وثيق بتعزيز صمود السكان على أرضهم.
فالجيل الشاب يسعى إلى تحويل التحديات التي تواجه القرى المهددة إلى فرص، و»القيادة الشابة قادرة على إحداث فارق حقيقي، وربط هذه التجمعات بمحيطها الأوسع، بما يعزز من بقائها واستمرارها».
ولا ينفصل هذا المعنى عن شعار الانتخابات لهذا العام، «باقون»، الذي يتردد في خطاب المرشحين، لا سيما في المناطق النائية، حيث تأخذ المشاركة الانتخابية طابعًا يتجاوز التنافس المحلي إلى تأكيد الوجود.
في هذا السياق، يتجه الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع يوم السبت 25 نيسان / أبريل، في انتخابات محلية تأتي في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة، تتقاطع فيها تداعيات الحرب في قطاع غزة مع تصاعد التوترات في الضفة الغربية.

لجنة الانتخابات

الناطق باسم لجنة الانتخابات لـ»القدس العربي»: الطابع الغالب محلّي وعائلي، وحضور سياسي محدود

وحسب الناطق باسم لجنة الانتخابات المركزية، فريد طعم الله، فإن أكثر من مليون فلسطيني مدعوون للمشاركة في هذه الانتخابات، التي ستجرى في 183 هيئة محلية في الضفة الغربية، بما فيها مدينة دير البلح في قطاع غزة، حيث ستبدأ عملية الاقتراع عند الساعة السابعة صباحًا، وتستمر حتى السابعة مساءً في الضفة الغربية، وحتى الخامسة مساءً في القطاع.
ويقر طعم الله، في حديث لـ»القدس العربي»، أن العملية الانتخابية تجري في «ظروف صعبة»، في إشارة إلى الحواجز العسكرية والإغلاقات واعتداءات المستوطنين، فضلًا عن تداعيات الحرب في غزة، مؤكدًا أن ترتيبات لوجستية جرت عبر قنوات الارتباط المدني، لضمان نقل صناديق الاقتراع وإدخال المواد الانتخابية، بما يتيح إجراء العملية «بسلاسة ممكنة» رغم التعقيدات.
ويشير إلى أن الانتخابات ستجرى تحت رقابة واسعة، بمشاركة أكثر من 2500 مراقب محلي، إلى جانب مراقبين دوليين ووسائل إعلام، مؤكدًا أن نزاهة العملية الانتخابية «مكفولة وفق القانون والمعايير الدولية».
وينبه طعم الله إلى أن الطابع الغالب على القوائم الانتخابية لا يزال محليًا وعائليًا، مع حضور سياسي محدود في المدن الكبرى، في حين تكشف الأرقام عن فجوة لافتة بين المشاركة والترشح، إذ يشكل الشباب (18-30 عامًا) نحو 31.5% من الناخبين، مقابل 15% فقط من المرشحين، فيما تمثل النساء نحو 48.5% من الناخبين، ونحو خمس المرشحين.
مرشحون في مناطق المواجهة

في مدن فلسطينية كثيرة، يطرح الناخبون تصورات تتجاوز الإطار التقليدي لدور البلديات، خاصة في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين مع انتشار البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية.
ففي هذا السياق، يرى المرشح أحمد العسعس، في حديث مع «القدس العربي»، أن البلديات لم تعد قادرة على الاكتفاء بدورها الخدماتي، في ظل الواقع الميداني المتغير، داعيًا إلى إنشاء لجان طوارئ محلية، وتعزيز التنسيق بين البلديات، بما يسهم في توفير نوع من الحماية المجتمعية، خاصة في ظل تزايد اعتداءات المستوطنين.
ويقول إن «البلدية يجب أن تكون جزءًا من منظومة حماية المجتمع، إلى جانب دورها في تقديم الخدمات»، مشيرًا إلى أن السلطة الفلسطينية لا تستطيع وحدها تغطية احتياجات جميع المناطق، خصوصًا القرى المعزولة.
في المقابل، ينتقد العسعس ضعف الوعي الانتخابي، منبهًا إلى أن الإنفاق على الحملات الدعائية لا يقابله جهد كاف في توعية المواطنين، ما ينعكس على طبيعة الاختيارات، ويعزز من حضور البعد العائلي على حساب البرامج.

وفي ضواحي القدس، تأخذ الانتخابات بعدًا مختلفًا، في ظل غياب أي تمثيل بلدي فلسطيني داخل المدينة.
وتقول المرشحة الشابة لمى أبو حلو (26 عامًا) من بلدة حزما لـ»القدس العربي» إن المشاركة في الانتخابات تمثل «فعلًا وطنيًا»، في مواجهة ما تصفه بمحاولات طمس الهوية الفلسطينية.
وتضيف أن سكان ضواحي القدس «يعيشون امتدادًا لمعاناة المدينة، لكنهم يتمسكون بحقهم في التعبير عن وجودهم»، مؤكدة أن «المشاركة هي رسالة بأن الصوت الفلسطيني باقٍ، رغم كل القيود».
وتشدد على أن حضور النساء والشباب في هذه الانتخابات ليس شكليًا، بل يعكس دورًا حقيقيًا في تعزيز صمود المجتمع، خاصة في ظل التضييق على العمل العام، واعتقال بعض المرشحين.
بين الأمل والشكوك

وتتباين مواقف الشارع الفلسطيني بين الأمل والتحفظ.
ففي بيت لحم، يقول بسام جبر (64 عامًا) لـ»القدس العربي» إن المدينة عانت في السنوات الماضية من ضعف الانسجام داخل المجلس البلدي، ما أثر على مستوى الخدمات، معربًا عن أمله في أن تسفر الانتخابات المقبلة عن مجلس أكثر توافقًا.
لكنه يرى أن دور البلديات يبقى محدودًا في إطار الخدمات، وأن القضايا الكبرى، مثل الاستيطان، «تتجاوز صلاحياتها».
أما أحمد سعيد (23 عامًا)، فيعبر عن تشكك واضح، مشيرًا إلى أن الانتخابات لم تحدث تغييرات ملموسة، لكنه يؤكد، رغم ذلك، أهمية المشاركة، بوصفها وسيلة للتأثير.
وفي جنين، يرى ساري عرابي أن البلديات يمكن أن تؤدي دورًا أوسع، من خلال دعم المبادرات الشبابية وتفعيل العمل التطوعي، مؤكدًا أن «اختيار الأشخاص المناسبين ينعكس مباشرة على حياة المواطنين».
مؤشرات وعي ومشاركة

وفي بلدة نحالين، يتوقع المرشح نعيم فنون أن تصل نسبة المشاركة إلى نحو 60%، مبينًا أن ذلك يعكس وعيًا متزايدًا لدى المواطنين، خاصة الشباب الذين يسعون إلى ممارسة حقهم في اختيار ممثليهم.
ويرى أن دور البلديات يجب أن يكون شاملًا، يجمع بين تقديم الخدمات ودعم المجتمع المحلي، من خلال مساندة الفئات المتضررة وتعزيز العمل الاجتماعي.
انتخابات تحت الضغط

الانتخابات المحلية الفلسطينية تعكس واقعًا مركبًا، تتداخل فيه الحاجة إلى تحسين الخدمات مع الرغبة في التعبير عن الوجود، في ظل بيئة سياسية وأمنية ضاغطة.
فبينما ينظر إليها البعض بوصفها أداة محدودة التأثير، يراها آخرون مساحة ضرورية لممارسة الفعل العام، ولو ضمن هامش ضيق.
وشعار «باقون» هذا العام لا يبدو مجرد عنوان انتخابي، بقدر ما يعكس حالة أوسع، يسعى الفلسطينيون من خلالها إلى تثبيت حضورهم، في مواجهة واقع معقد ومفتوح على احتمالات متعددة.
قد لا تغير هذه الانتخابات موازين الواقع، لكنها، بالنسبة إلى كثيرين، تظل وسيلة للتمسك بما هو ممكن.
ومن قرى مهددة بالزوال إلى مدن تبحث عن خدمات أفضل، يذهب الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع وهم يدركون حدود التأثير، لكنهم يتمسكون بالفعل ذاته.
هنا، يصبح «البقاء» ليس شعارًا انتخابيًا فحسب، بل ممارسة يومية وصمودًا.

ــ القدس العربي

مواضيع قد تهمك