الأخبار

د. محمد صبحي العايدي : الثورة في فكر الإسلام السياسي (1): المشاريع الأممية وتجاوز الدولة

د. محمد صبحي العايدي : الثورة في فكر الإسلام السياسي (1): المشاريع الأممية وتجاوز الدولة
أخبارنا :  

في لحظات الاضطراب السياسي دائمًا ما يعود السؤال الذي يبدو بصيغة أخلاقية، ولكنه في جوهره إشكالي: هل الأولوية للدولة الوطنية أم للأمة؟ هذا السؤال عندما يطرح في سياقه السياسي، لا يبقى سؤالًا نظريًا فلسفيًا، بل مدخلًا لإعادة تعريف السلطة، والولاء، وحدود العمل السياسي.

في أصلها تمثل «الأمة» في الإسلام رابطة روحية قيمية، تتجاوز الحدود الجغرافية، وتؤسس لوحدة معنوية بين أبناء الأمة، فهي إطار جامع للهوية، لكنه ليس بديلًا عن الدولة الوطنية، غير أن هذا المفهوم مع صعود الإسلام السياسي انتقل من المجال القيمي إلى المجال السياسي، فأصبح مشروعًا يسعى إلى تجاوز الدولة الوطنية، أو إعادة تشكيلها وفق التصور الأممي، وقد أسهمت أدبيات كبار منظري الإسلام السياسي والثورة الإيرانية، كحسن البنا وسيد قطب والخميني في ترسيخ هذا التحول، وقدمت فكرة «الأمة» على منطق الدولة، مما منح الشرعية لقيادات دينية لتجاوز الإطار الوطني، ومخاطبة الأمة بوصفها مجالًا حيويًا لمشاريعهم.
ورغم الاختلاف المذهبي، فإن التقاطع هنا عميق، فكلا المشروعين يرى أن الانتماء أولًا للأمة، متجاوزًا الانتماء الوطني للدولة، وأن الدولة ليست غاية، بل مرحلة ضمن مشروع أكبر، ومن هنا لم تعد الحدود السايكسية إطارًا حاكمًا، بل هو قابل للتجاوز لمصلحة فكرة «الأمة».
غير أن هذا التصور حين ينتقل من النظر إلى التطبيق يكشف عن إشكالات عميقة، فالدولة ليست مجرد حدود، بل هي كيان تدار فيه المصالح، وتحفظ فيه الحقوق، وتصان فيه الأنفس، وهذا كله يحقق مقاصد الشريعة الكلية، وعندما يضعف هذا الكيان لصالح مشروع أممي غير محدد الأدوات والمعالم، فإن النتيجة هي تفكيك لمفهوم السيادة الوطنية، ونقل الولاء من الدولة الواقعية، إلى فكرة متخيلة أو سراب.
ولعل أول ما ينبغي ضبطه هنا هو أن طبيعة العلاقة بين أبناء الأمة في الوقت الراهن، لا تتجاوز كونها علاقة معنوية، تثمر التكافل، وتدفع إلى نصرة قضايا الأمة العادلة، لكنها لا تنتج بذاتها كيانًا سياسيًا بديلًا عن كيان الدولة القائمة، ولا تلغي الحاجة إلى الدولة لتنظيم حياة الناس ومصالحهم، ومن هنا فإن الدولة ليست نقيضًا لفكرة الأمة.
وعند هذه النقطة يتدخل فقه إدارة العلاقات من أجل ضبط المعادلة بترتيب الأولويات، فالقواعد الكلية تقرر: أن حفظ الدولة الوطنية واستقرارها مصلحة متيقنة قائمة مقدور عليها، يترتب على إهمالها فساد محقق، بينما تمثل المشاريع الأممية -مهما كانت جاذبيتها- مصالح أوسع، لكنها ظنية أو مؤجلة، لا تقع تحت القدرة المباشرة، ولا تضمن نتائجها.
ومن هنا فإن القاعدة الحاكمة تقول: لا تترك المصلحة القطعية القائمة المقدور عليها، لمصلحة ظنية غير قائمة وغير مقدور عليها، ولا يفسد القائم طلبًا لما لم يقم، وبناء على ذلك، فإن الولاء السياسي لا يبنى على التصورات المأمولة أو المتخيلة، بل على الكيانات القائمة التي تحقق المصالح، وتحفظ المجتمعات، فالدولة الوطنية بما تمثله من استقرار وتنظيم هي محل التكليف الفعلي، وهي المجال الذي تمارس فيه المسؤولية، أما المشاريع الكبرى، كالوحدة العربية والإسلامية، فهي تظل أهدافًا مشروعة من حيث المبدأ، لكنها لا تتحول إلى إطار ملزم، إلا إذا تحققت شروطها الواقعية، وأصبحت كيانًا قائمًا على إدارة الشأن العام.
ومن هنا فإن نقل الولاء من واقع متحقق إلى تصور غير قائم لا يعد وفاء للأمة، بل إخلالًا بفقه أولوياتها، لأن الأمة لا تخدم بإضعاف وحدتها، ولا تبنى المصالح الكبرى، على حساب المصالح الضرورية القائمة.
إن المفارقة التي تكشفها التجربة، أن الخطاب الأممي كثيرًا ما يرفع شعار وحدة الأمة، ولكنه في التطبيق يتحول إلى صراع نفوذ، حيث تسعى كل جهة إلى توسيع مجالها باسم الأمة، وفي هذا السياق لا تعود شعارات «وحدة الأمة» جامعًا، بل تصبح ساحة تنافس، وتتحول الشعارات إلى أدوات سياسية لتفتيتها.
ولعل السؤال الذي ينبغي طرحه بوضوح: هل يمكن خدمة «الأمة» بإضعاف الدولة؟في ميزان الفقه والسياسة معًا الجواب بالنفي، فالدولة المستقرة هي التي تملك القدرة والتأثير، بينما الدولة الهشة والفاشلة، تتحول إلى مجال مفتوح لتدخل الآخرين، وعليه فإن تقديم المصلحة الوطنية عند الأزمات ليس انكفاء عن وحدة الأمة، بل هو مدخل صحيح لخدمتها، لأن الأمة لا تقوم فوق فراغ سياسي، بل على دول قادرة متماسكة وواعية بدورها.
وفي النهاية السؤال لا يكون: الأمة أم الدولة؟ بل كيف نمنع تحويل شعار «الأمة» إلى ذريعة لتجاوز الدولة.

*باحث في الفكر الإسلامي

ــ الغد

مواضيع قد تهمك