د. محمد بني سلامة : باريس
في لحظةٍ فارقةٍ من تاريخ التعليم العالي، يقف مشروع قانون الجامعات الجديد على طاولة ديوان التشريع والرأي، حاملاً في طيّاته مادة تبدو للوهلة الأولى إجرائية، لكنها في جوهرها تمسّ العدالة الوظيفية والاستقرار المعيشي لشريحةٍ تُعد من نخبة المجتمع الأردني: العاملين في الجامعات. هذه المادة، التي تتعلق بحوافز البرنامج الموازي، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن سياقٍ طويل من التحديات التي واجهها الأكاديميون، ولا عن أثرها المباشر في مستقبل التعليم ذاته.
لقد تحوّلت حوافز البرنامج الموازي، عبر السنوات، إلى ما يشبه الحق المكتسب للعاملين في الجامعات. فهي ليست مكافآت عابرة أو مزايا مؤقتة، بل دخلٌ شبه ثابت، يعتمد عليه الأستاذ الجامعي في مواجهة أعباء الحياة المتزايدة. ومع ذلك، يأتي هذا المشروع ليهدد هذا الاستقرار، عبر تقليص هذه الحوافز أو إعادة النظر فيها، دون تقديم بدائل عادلة أو ضمانات كافية.
الأمر لا يقف عند حدود الدخل الحالي، بل يتجاوز ذلك إلى مسألة أكثر حساسية: العدالة في الحقوق التقاعدية. فهذه الحوافز، رغم استمراريتها وخضوعها للضريبة، ما زالت مستبعدة بنص صريح من قانون الضمان الاجتماعي، وكأن هناك إرادة خفية لإبقاء العاملين في الجامعات خارج مظلة الإنصاف التي يتمتع بها أقرانهم في مؤسسات الدولة الأخرى. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن تبرير هذا الاستثناء في ظل نصوص دستورية واضحة تؤكد على مبدأ المساواة بين الأردنيين؟
إن هذا الخلل القانوني، الذي طال أمده، لم تفلح محاولات تعديله السابقة في تصحيحه، ما يجعل اللحظة الراهنة فرصة لا ينبغي تفويتها. فوجود مشروع القانون في ديوان التشريع والرأي يفتح الباب أمام صوت الأكاديميين ليُسمع بوضوح، لا كمطالبة فئوية ضيقة، بل كنداء إصلاحي يستند إلى العدالة والمنطق.
ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق أساتذة الجامعات أنفسهم، ليعبّروا بصراحة ووضوح عن موقفهم من هذه المادة، وأن يطالبوا بالإبقاء على النص السابق الذي يحفظ لهم حقوقهم المكتسبة. فالصمت في مثل هذه اللحظات لا يُفسَّر إلا قبولاً ضمنياً بتآكل هذه الحقوق، وهو أمر لا ينسجم مع مكانة هذه الفئة ودورها الحيوي في بناء المجتمع.
ولا يمكن تجاهل حقيقة أن رواتب العاملين في الجامعات الأردنية شهدت تآكلاً مستمراً على مدى ما يقارب عقدين من الزمن، دون زيادات تُذكر، في ظل تضخم مالي متسارع وارتفاع ملحوظ في كلفة المعيشة. فكيف يُطلب من الأكاديمي أن يبدع ويُنتج ويُنافس عالمياً، بينما هو منشغل بتأمين أساسيات حياته؟
إن الدولة الأردنية، إذا ما أرادت أن تضع التعليم في صدارة أولوياتها، فعليها أن تبدأ من الإنسان الذي يقف في قلب هذه العملية: الأستاذ الجامعي. فهذه الفئة ليست مجرد موظفين، بل هي عقول تصنع المستقبل، وبيوت خبرة تُسهم في رسم السياسات وتقديم الحلول. وإهمالها أو تقليص حقوقها هو، في جوهره، إضعاف لمنظومة التعليم بأكملها.
إن الحفاظ على حوافز البرنامج الموازي ليس ترفاً، بل ضرورة تفرضها العدالة، ويُمليها الواقع، ويؤكدها الدستور. وإذا كانت باريس، رمز الفكر والنور، قد علمتنا أن التقدم يبدأ من احترام العقل، فإن الطريق إلى نهضة تعليمية حقيقية في الأردن يبدأ من إنصاف من يحملون مشاعل المعرفة.
أما البحث العلمي، فله حديث آخر، لا يقل أهمية، وسيكون محور نقاش قادم، لأنه بدوره مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل الجامعات وقوانينها.