د. هيفاء ابو غزالة : يوم العلم الأردني .. حين يعلو الرمز وترتفع الروح الوطنية
في السادس عشر من نيسان من كل عام، يقف الأردنيون أمام رايتهم بوقارٍ خاص، في مناسبة يوم العلم الأردني، حيث لا يكون المشهد مجرد احتفالٍ برفع الرايات فوق الساريات، بل لحظة وطنية تتجدد فيها معاني الانتماء والاعتزاز بوطنٍ صاغته الإرادة، وصانته التضحيات، وبنته عزيمة أبنائه عبر عقود من العمل والصبر.
فالعلم في حياة الأمم ليس مجرد قطعة قماش ترفرف في السماء، بل هو اختزالٌ لقصة وطنٍ كاملة؛ قصة سيادة وهوية وذاكرة جماعية تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل. وفي الأردن، تتجاوز دلالة العلم حدود الرمز ليصبح تعبيرًا عن مسيرة وطنٍ نشأ في قلب التحديات، واستطاع أن يصنع لنفسه مكانة راسخة في محيط إقليمي شديد الاضطراب.
إن رفع العلم الأردني في هذا اليوم لا يعبّر فقط عن احتفاءٍ بالمناسبة، بل عن شعورٍ عميق بالانتماء والوفاء للأرض والتاريخ. فعندما ترتفع الراية فوق المؤسسات والميادين، يعلو معها إحساس جمعي بأن الأردن ليس مجرد جغرافيا نعيش فيها، بل وطن يسكن في وجدان أبنائه، ومسؤولية مشتركة للحفاظ على أمنه واستقراره ومسيرته.
وتحمل ألوان العلم الأردني في طياتها رمزية تاريخية عميقة، إذ تستحضر الأسود والأبيض والأخضر صفحات مضيئة من تاريخ الأمة العربية، فيما يجسد المثلث الأحمر روح الثورة العربية الكبرى التي كانت نقطة تحول في مسار النهضة العربية وبداية الطريق نحو قيام الدولة الأردنية الحديثة. أما النجمة السباعية، فتبقى رمزًا للقيم الروحية والأخلاقية التي شكلت أساس الهوية الوطنية ورسالة هذا الوطن.
غير أن جوهر يوم العلم الأردني لا يكمن في الألوان وحدها، بل في المعنى الذي يتجدد في وجدان الأردنيين كلما ارتفعت الراية. إنه تذكير بأن الوطنية ليست شعورًا عاطفيًا عابرًا، ولا شعارًا يرفع في المناسبات، بل التزام يومي يتجسد في العمل والإخلاص، وفي حماية منجزات الوطن وتعزيز وحدته وتماسكه.
وفي عالم تتزايد فيه التحديات وتتبدل فيه الموازين، يبقى العلم الأردني رمزًا للاستقرار والاعتدال، ودليلًا على قدرة هذا الوطن، الصغير بمساحته والكبير بدوره، على أن يواصل مسيرته بثقة وثبات، مستندًا إلى وعي أبنائه وإيمانهم العميق بقيمة وطنهم.
في يوم العلم، تتوحد القلوب قبل الألوان، وترتفع الراية لتؤكد حقيقة راسخة: أن الأردن سيبقى عاليًا كما علمه، ما بقي في قلوب أبنائه ذلك الإيمان الصادق بأن الوطن ليس مكانًا نعيش فيه فحسب، بل رسالة نحملها ومسؤولية نصونها للأجيال القادمة.