الأخبار

الاب رفعت بدر : نفحات فصحية لهذا العام

الاب رفعت بدر : نفحات فصحية لهذا العام
أخبارنا :  

النفحة الأولى: لمن القوة؟

 

لمن القوّة في هذا العالم؟ هل هي للتجبّر والتسلّط وإيذاء الناس في بيوتهم وبلدانهم؟ أم أنّ القوة الحقيقية تكمن في العظمة المتواضعة، وفي العطاء غير المشروط، وفي الروح المستعدة دائمًا لخدمة الله وخدمة القريب؟

في هذا العام، ومع أجواء عيد الفصح المجيد، عاد السؤال بقوة: لمن الغلبة؟

والجواب الذي تعلّمه لنا طقوس الفصح واضح: الغلبة للقيامة، لا للموت، ولا لأتباعه، ولا لجيوشه. الكلمة الأخيرة ليست للظلام، بل للنور. فلنمجّد الحياة في هذه الأيام، ولنقف إلى جانب كل من يزرع الحياة، ويؤمن بأن القيامة - حتى وإن مرّت عبر ثلاثة أيام من الألم والدفن والتواري - هي الحقيقة الأخيرة.

النفحة الثانية: صلاة من أجل السلام

يطلّ علينا عيد الفصح هذا العام، الشرقي والغربي معًا، على وقع دعوة صارخة أطلقها قداسة البابا لاون الرابع عشر، داعيًا إلى الصلاة من أجل السلام.

وفي أحد الشعانين، وسط جموع المؤمنين التي ملأت ساحة القديس بطرس بأغصان الزيتون وسعف النخيل، قال: "إن الله لا يصغي لمن يدعون إلى الحروب، بل لمن يدعون إلى السلام."

إنها كلمة تختصر إنجيلًا كاملاً. ولهذا دعا قداسته إلى يوم صلاة من أجل السلام، وما زالت البشرية ترفع صلواتها، خاصة من أجل منطقتنا في الشرق الأوسط، التي لم ترتوِ بعد من كأس السلام العادل والشامل.

النفحة الثالثة: أبواب المسجد والكنيسة تُفتح… والجرح واحد

بين الفصحين، تُفتح أبواب المسجد الأقصى، وتُفتح أبواب كنيسة القيامة.

لكنّ الذاكرة ما زالت تحمل ألم الأيام التي أُغلقت فيها هذه الأبواب، وحُرم المؤمنون من الصلاة، واكتفوا بمتابعة الطقوس عبر الشاشات. كم كان مؤلمًا أن يصلّي البطريرك شبه وحيد، ممثّلًا شعبًا كاملاً كان يتوق للحضور والصلاة.

واليوم، حين تُفتح الأبواب، نفهم أنّ الجرح واحد، وأنّ الوجع واحد، وأنّ الصلاة - سواء ارتفعت من مسجد أو من كنيسة- هي دعامة أساسية من أجل السلام. ومن القدس، حيث انطلقت بشارة القيامة الأولى، ما زال الرجاء ينبعث ليملأ الأرض كلها.

النفحة الرابعة: نعمة الأمن في الأردن

في أردننا الحبيب، لعيد الميلاد رونقه، ولكن لعيد القيامة أيضًا جماله الخاص.

ويتجلّى هذا الجمال في احترام الدولة لمشاعر جميع المواطنين، حيث تُعطى العطلة الرسمية للمسيحيين ليوم واحد في أحد الشعانين وليومين في عيد الفصح، وتُعلّق الامتحانات الجامعية لجميع الطلبة ، وليس للمسيحيين فقط، احترامًا لهذه المناسبة.

إنها نعمة أن نعيش في وطن يحفظ الدستور فيه حقوق الجميع، ونعمة أن يشعر الإنسان بالأمان، ليس فقط في حياته اليومية، بل أيضًا في ممارسته لإيمانه. وحين تحرس الأجهزة الأمنية كنائس المملكة، فهي لا تحرس حجارة، بل تحرس حق الإنسان في الصلاة والطمأنينة.

وهذه رسالة أردنية أصيلة: احترام الإنسان، أيًّا كان، واحترام إيمانه. وحين يتقدّم العلم الأردني الذي اقترب عيده، تطوافات الكنائس في داخل الكنيسة أو في خارجها، فانّه فخر صادق ودائم بالراية الهاشمية التي تحفظ حقوق جميع من يستظلون في أفيائها.

النفحة الخامسة: من أوغسطينس إلى اليوم

من عنابة، أو هيبون، في الجزائر الشقيقة، يبرز صوت القديس أوغسطينس، الذي ما زال حيًّا في فكر الكنيسة والإنسانية. وهو المكان المقدّس الذي سيزوره البابا لاون يوم غد الاثنين، وقد استشهد به قداسته في عظة الفصح قائلاً: "إذا كنت تخاف من الموت، فأحبب القيامة."

يا لها من حكمة تختصر الإيمان كله. فنحن لا ننكر الألم، ولا نهرب من الصليب، لكننا نحب القيامة، لأنها وعد الله الأخير، وهي الرجاء الذي لا يخيب.

هنيئًا لكم عيد الفصح المجيد، هنيئًا لكم عيد القيامة، وكل عام وأنتم بحياةٍ مملوءة رجاءً، وقلوبٍ عامرة بالسلام، وإيمانٍ ينتصر دائمًا… لأن للقيامة الكلمة الأخيرة.

مواضيع قد تهمك