الأخبار

د. خالد الشقران : شراكة عربية في مواجهة الأزمة

د. خالد الشقران : شراكة عربية في مواجهة الأزمة
أخبارنا :  

تأتي القمة الثلاثية التي جمعت جلالة الملك عبدالله الثاني مع سمو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وسمو أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، في ظروف إقليمية ضاغطة جراء تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وتتمدد آثارها من ساحات الاشتباك إلى عمق الفضاءات السياسية والأمنية والاقتصادات الوطنية، لتفرض على الدول العربية اختبارا حقيقيا يتعلق بقدرتها على إدارة الأزمات بمنطق جماعي يتعدى ردود الفعل المؤقتة نحو بناء مقاربات استراتيجية أكثر تماسكا واستدامة.

 

الدلالة السياسية لهذه القمة تعكس تحولا واضحا في طبيعة التعامل العربي مع التهديدات الراهنة، حيث باتت الهجمات الإيرانية على الأردن ودول الخليج العربي تشكل اختبارا مباشرا لصلابة النظام الإقليمي ولمبدأ سيادة الدول، وتفرض مقاربة جماعية تستند إلى أن أمن الأردن ودول الخليج وحدة استراتيجية لا تتجزأ، وأن أي اختراق في هذا الفضاء ينعكس على مجمل الاستقرار العربي والإقليمي.

هذا الإدراك السياسي يقود بالضرورة إلى بعد اقتصادي أكثر عمقا، إذ لم تعد تداعيات الحروب محصورة في ميادين القتال، بل تمتد عبر التأثير على سلاسل التزويد، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة، وتدفقات الاستثمار، لتصيب البنية الاقتصادية للدول العربية باضطرابات متراكمة. أمام هذا التشابك، يبرز واقع جديد يفرض إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي ليشمل الأمن الاقتصادي كأولوية متقدمة، ويجعل من التنسيق العربي أداة مركزية لتعزيز الصمود، وترسيخ احترام السيادة، وبناء قدرة جماعية على احتواء الأزمات.

العبء الاقتصادي للحرب يتجلى في ارتفاع كلف الطاقة، واضطراب الإمدادات، وتراجع الثقة الاستثمارية، إضافة إلى الضغوط على الموازنات العامة نتيجة متطلبات الحماية الاجتماعية. هذه التحديات لا يمكن التعامل معها عبر سياسات فردية معزولة، لأن طبيعتها العابرة للحدود تتطلب أدوات جماعية قادرة على امتصاص الصدمات وتقليل المخاطر. من هنا، تبرز أهمية بناء منظومة تنسيق اقتصادي عربي تعتمد على تبادل المعلومات، وتكامل السياسات النقدية والمالية، وتفعيل آليات الدعم المتبادل.

القمة الثلاثية تمثل خطوة باتجاه هذا المسار، إذ تفتح المجال أمام صياغة مقاربة عربية مشتركة تقوم على توظيف عناصر القوة المتاحة لدى الدول العربية، سواء من حيث الموارد المالية، أو الموقع الجغرافي، أو القدرة على التأثير في أسواق الطاقة. هذا التكامل يمكن أن يشكل شبكة أمان إقليمية تخفف من حدة التقلبات، وتمنح الدول العربية هامشا أوسع في إدارة تداعيات الحرب دون الانزلاق إلى أزمات داخلية.

في السياق ذاته، يكتسب التنسيق مع الشركاء الدوليين بعدا ضروريا، حيث إن طبيعة الاقتصاد العالمي المتشابك تفرض الانخراط في ترتيبات دولية تضمن استقرار الأسواق وتدفق السلع والخدمات، غير أن هذا التنسيق يفقد فاعليته في حال غياب موقف عربي موحد، لأن القدرة التفاوضية تتعزز عندما تتحدث الدول بصوت واحد يعكس مصالح مشتركة ورؤية واضحة. من هنا، يصبح العمل العربي المشترك مدخلا لتعظيم المكاسب وتقليل الكلف في التعامل مع القوى الدولية والمؤسسات المالية العالمية.

البعد الاستراتيجي الأعمق لهذه القمة يكمن في إعادة الاعتبار لفكرة الفعل العربي الجماعي كنهج عقلاني في مواجهة الأزمات المركبة، حيث أثبتت التجارب السابقة أن التشرذم يفاقم الخسائر، بينما يتيح التنسيق فرصا حقيقية لإدارة المخاطر وتحويل التحديات إلى مساحات للفعل المشترك، وفي ظل بيئة دولية تتسم بالتنافس الحاد وإعادة تشكيل موازين القوى، يصبح التماسك العربي ضرورة تتعلق بالبقاء والاستقرار.

إن ما تفرضه اللحظة الراهنة يتطلب الانتقال من منطق التنسيق الظرفي إلى بناء أطر مؤسسية دائمة قادرة على الاستجابة السريعة للأزمات، وتطوير سياسات اقتصادية تكاملية تستند إلى رؤية طويلة الأمد، كما يتطلب الاستثمار في الثقة السياسية بين الدول العربية، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه أي شراكة حقيقية.

في نهاية المطاف، لا يمكن لأي دولة أن تعزل نفسها عن ارتدادات حرب بهذا الحجم، ولا يمكن لأي اقتصاد أن يصمد منفردا أمام موجات الاضطراب المتلاحقة. من هنا فإن الطريق الأكثر واقعية يمر عبر توحيد القرار، وتعميق التنسيق، وتحويل الإرادة السياسية التي عكستها القمة الثلاثية إلى برامج عمل ملموسة تترجم على أرض الواقع، وعليه فإن المطلوب اليوم موقف عربي يتقدم بثقة، يبني تحالفاته بوعي، ويدير مصالحه برؤية جماعية، لأن كلفة التردد أعلى بكثير من كلفة الفعل الجماعي المنظم والمدروس. ــ الراي

مواضيع قد تهمك