د. خالد الشقران : نحو معادلة ردع فاعلة
في خضم صراع إقليمي تتكالب فيه القوى الدولية والإقليمية لفرض هيمنتها على المنطقة، تتكشف أمام الدول العربية حقيقة صلبة ترسمها الوقائع اليومية بوضوح لا يقبل الإنكار، فالحرب الدائرة لم تبق ضمن حدود أطرافها، بل اندفعت نيرانها إلى عمق الجغرافيا العربية، حيث تعبر الصواريخ والمسيرات الأجواء دون اكتراث بالسيادة، كما تفعل إيران في استهدافها لدول الخليج العربي والأردن، في سلوك عدائي يضع الدولة الوطنية أمام اختبار وجودي يتعلق بقدرتها على حماية حدودها وصون أمنها وترسيخ سيادتها كأولوية تتقدم على كل اعتبار.
ومن خلال هذا المشهد المتشابك، يبرز درس لا يقبل التأويل ولا مزيدا من التأخير، لا سيما وأن العالم اليوم بات يعيد ترتيب أولوياته على أساس القوة والقدرة على الفعل، الأمر الذي تتراجع في ظله قيمة الخطاب السياسي عندما ينفصل عن امتلاك أسباب القوة وأدوات الردع، وتفقد المواقف المعلنة وزنها عندما تعجز عن حماية الأرض والسماء، وعليه، فإن إعلان الحياد دون امتلاك قوة وقدرة دفاعية راسخة لا يؤدي إلى تحصين الدولة، بل يوسع دائرة تعرضها للضغط، ويفتح المجال أمام القوى الطامحة لاستعراض قوتها وفرض إرادتها.
وانطلاقا من هذا الإدراك، تبرز وحدة الموقف العربي حجرَ أساس في معادلة البقاء، إذ إن التهديدات التي تضرب دولة عربية سرعان ما تمتد آثارها إلى غيرها، لتؤكد أن الأمن العربي كل لا يتجزأ، وأن أي اختراق في نقطة ما يشكل مدخلا لانكشاف أوسع. ومن هنا، يصبح تفعيل العمل العربي المشترك ضرورة استراتيجية ترتبط مباشرة بحماية السيادة، عبر بناء منظومة دفاع عربي موحد تستند إلى أسباب القوة الحقيقية، تقوم على توحيد العقيدة العسكرية، وربط أنظمة الدفاع الجوي، وتكامل القدرات القتالية، وإنشاء شبكة استخبارية عربية قادرة على الاستجابة الفورية لأي تهديد.
وفي هذا السياق، فإن توحيد السياسات والمواقف لا يقل أهمية عن توحيد القدرات العسكرية، إذ إن غياب القرار السياسي الموحد يمنح الخصوم مساحة أوسع للمناورة، ويتيح لهم استثمار التباينات لفرض أجنداتهم داخل المجال العربي، أما حين تتكامل الإرادة السياسية مع القوة العسكرية، فإنها تنتج معادلة ردع قادرة على إغلاق المجال أمام أي محاولة للعبث بالأمن أو فرض الأمر الواقع بالقوة.
كما أن استمرار التشتت يشكل بيئة مثالية للقوى الطامعة التي تبحث عن ثغرات تنفذ منها، في حين أن بناء جبهة عربية متماسكة يحول دون ذلك، ويعيد رسم التوازنات على أساس يحمي المصالح العربية ويمنع استباحتها، وهنا لا يقتصر مفهوم القوة على البعد العسكري، بل يمتد ليشمل الحضور السياسي والإعلامي، حيث تصبح الرواية الموحدة أداة موازية للسلاح في مواجهة محاولات التضليل وتزييف الحقائق.
إن ما يجري في الإقليم يفرض انتقالا حاسما من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل المبادر، ومن التشتت إلى التماسك، ومن الحسابات الضيقة إلى الرؤية الجماعية الشاملة، حيث يعاد تعريف القوة بوصفها مسؤولية عربية مشتركة، وتتحول الإرادة السياسية إلى قدرة تنفيذية قادرة على فرض معادلات تحمي الأمن العربي وتصون سيادته.
وعليه، فإن الطريق واضح لا لبس فيه، بناء قوة عربية موحدة، وتفعيل دفاع عربي مشترك قائم على تنسيق حقيقي وإرادة صلبة، وتوحيد المواقف والسياسات في مواجهة التحديات، بما يرسخ معادلة ردع حقيقية تضع حدا لأي اعتداء، ويؤسس لواقع عربي قادر على حماية ذاته وفرض حضوره، لأن السيادة لا تصان إلا بقوة تحميها، ولا تستمر إلا بوحدة تسندها.