د. محمد بني سلامة : حين تطول الحروب .. من يربح ومن يدفع الثمن؟
في الشرق الأوسط، لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بمدى قدرتها على إعادة تشكيل التوازنات، واستنزاف الدول، وإعادة توزيع النفوذ. وما نشهده اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل صراع مفتوح على الزمن، حيث تتحول إطالة الحرب إلى أداة استراتيجية بحد ذاتها.
إيران، رغم ما تعرضت له من ضربات قاسية وخسائر في بنيتها العسكرية وقياداتها، لا تتجه نحو التهدئة، بل تُظهر إصرارًا واضحًا على إطالة أمد المواجهة. هذا السلوك لا يمكن قراءته من زاوية الضعف فقط، بل من زاوية "إدارة الضعف” وتحويله إلى ورقة ضغط.
فبدل البحث عن انهاء للحرب — وهو أمر يبدو بعيد المنال — تسعى طهران إلى استنزاف خصومها، وفرض معادلات جديدة تجعل من أي تسوية مستقبلية اعترافًا بدورها الإقليمي.
في المقابل، لا تبدو القوى الكبرى متعجلة لإنهاء الصراع. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، قد تجد في استمرار التوتر فرصة لتعزيز حضورها العسكري، وتكريس اعتماد حلفائها عليها، فضلًا عن تنشيط سوق السلاح. أما القوى الدولية الأخرى، كروسيا والصين، فقد تستفيد من انشغال واشنطن في هذه الجبهة، لتوسيع نفوذها في مناطق أخرى من العالم.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة تكمن في أن الرابحين في مثل هذه الحروب ليسوا بالضرورة من يقاتلون، بل من يبيعون السلاح، أو يراقبون المشهد من بعيد، أو يستثمرون في اضطراب الأسواق. وهنا، تبرز المفارقة المؤلمة: الطرف الأكثر تضررًا حتى الآن ليس بالضرورة طرفًا مباشرًا في الصراع.
فالدول العربية، ولا سيما دول الخليج العربي، تبدو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة. فهي تقف في قلب العاصفة، تتحمل تبعاتها الاقتصادية والأمنية، دون أن تكون صاحبة قرار في إشعالها أو إنهائها. أي اضطراب في مضيق هرمز يهدد شريان الطاقة العالمي، لكنه يضع أيضًا اقتصادات الخليج في دائرة الخطر، سواء من حيث التصدير أو الاستقرار المالي.
كما أن ارتفاع التوتر الإقليمي يفرض على هذه الدول زيادة الإنفاق العسكري، وتعزيز الإجراءات الأمنية، في وقت تسعى فيه إلى تنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط. ومع كل يوم تستمر فيه الحرب، تتراجع فرص الاستقرار، وتتزايد كلفة الحياد.
ولا يمكن إغفال البعد الجيوسياسي الأعمق: فاستمرار الصراع يمنح القوى الإقليمية غير العربية مساحة أوسع للتأثير، ويُضعف من القدرة العربية على صياغة موقف موحد أو فرض رؤية جماعية للأمن الإقليمي. وهكذا، تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، بينما يتراجع الدور العربي إلى موقع المتلقي للتداعيات.
إن أخطر ما في الحروب الطويلة أنها تُعيد تعريف الخسارة. لم تعد الخسارة تقتصر على الدمار المباشر، بل تشمل استنزاف الفرص، وتعطيل التنمية، وتآكل الاستقرار. وفي هذا السياق، قد لا يكون السؤال: من سينتصر؟ بل: من سيدفع الثمن الأكبر؟
حتى اللحظة، تبدو الإجابة واضحة ومقلقة في آن واحد: العالم العربي، وفي مقدمته دول الخليج، هو من يتحمل العبء الأثقل. وبينما تتصارع القوى الكبرى والإقليمية على رسم ملامح المرحلة المقبلة، يبقى الرهان العربي الحقيقي هو في تجنب الانزلاق، وبناء موقف أكثر استقلالية، يحمي المصالح، ويقلل من كلفة صراعات لا يملك قرارها.
ففي زمن الحروب المفتوحة، قد لا يكون البقاء للأقوى… بل للأقدر على تجنب الخسارة.