د. نضال المجالي يكتب: حين تضيق المسافات… تتسع العقبة
في كل مرة تضيق فيها الخيارات، ويصبح السفر خارج الحدود حلماً مؤجلاً، يكتشف الأردنيون حقيقة كانت دائماً قريبة، أن الجمال لا يُقاس بالمسافات، وأن الرحابة قد تكون هنا، في العقبة. في كورونا بدأت من محطة مختلفة؛ من أيلة، حيث تتجسد الرفاهية بأعلى مستوياتها وتتحول الرحلة إلى تجربة لا تُنسى.
في أيلة، لم يكن اليوم يبدأ عادياً؛ فهناك تمتد ملاعب الجولف العالمية كلوحة خضراء ساحرة، تحيطها بإطلالة كاملة مساكن الجمال المختلفة، وتنساب اللحظات بهدوء على إطلالة الجلوس والسكان على مرسى اليخوت، حيث يلتقي البحر بالفخامة في مشهد يأسر العين. تتنوع المطاعم لتمنح الزائر رحلة مذاق موازية لحاجتهم للسفر عالميا، فيما تتوزع التجارب بين الهدوء والترف والموسيقى والتجدد.
في أيلة للجيل الجديد من الشباب حكاية أخرى؛ على شاطئ B12، حيث الفرح طاقة تُشعر الجميع بأنهم في عالم مختلف، عالم من الضحك والانطلاق والذكريات التي تُصنع ببساطة. أما الباحثون عن التحدي، فيجدون في مرافق مثل رايز وملاعب التنس والبادل المفتوحة مساحة للحركة والإثارة، حيث تتجاوز التجربة حدود الاسترخاء إلى مغامرة متكاملة.
ومن أيلة، تمتد الرحلة إلى باقي ملامح العقبة؛ إلى سرايا، حيث الحديقة المائية التي تتحول إلى مساحة نابضة بالحياة العائلية، أصوات الأطفال، ضحكات الأهل، وتلك اللحظات التي تجمع الجميع في تجربة واحدة مليئة بالمرح والدفء. وفي تالا بي، يتغير الإيقاع؛ سكون وخصوصية في بيوت مطلة على البحر، تمنح الزائر شعوراً بالعزلة الراقية، حيث الراحة الحقيقية بعيداً عن الضجيج.
ولا تكتمل الصورة دون سحر ليالي رم القريبة، وعيش تجارب ركوب قطار من التاريخ او زيارة حصرية لموقع "مُسيج المها” او سهرة حيث السماء المرصعة بالنجوم تفتح باب التأمل، ولا تكتمل اي صورة عند ذكر العقبة مقصدا دون بحر العقبة الهادئ، الذي يخفي في أعماقه عالماً مذهلاً لعشاق الغوص، في تجربة لا تقل روعة عن أشهر الوجهات العالمية. وعلى اليابسة، تنتظر الجبال عشاق التحدي، فيما تقدم المدينة تنوعاً لافتاً في مطاعمها، حيث تبقى جلسة في مطعم الكابتن وسط المدينة تجربة لا تُنسى وتسوق ضمن مول النافورة لحظة عالمية والسير تحت ظل علم الثورة في ساحة اصيلة هي الأكثر تنوعا وجمالا بحريا وتاريخيا اوقات لا تنتهي، ومشاركة العائلة بصورة يصطف خلفها مئات قوارب الصيد بلوحة غروب قصة تحملها معك تصف وجودك وسط مجتمع اهل العقبة وما فيهم من صبر وخير وملامح عشق بحرية.
وللباحثين عن لحظات مختلفة، يأتي مرصد طيور العقبة ليقدم مشهداً فريداً لهجرة الطيور، لوحة طبيعية حية تعيش فيها بين أسراب وأنواع لم تشاهدها مباشرة في حياتك تؤكد أن العقبة ليست مجرد وجهة، بل منظومة متكاملة من التجارب الطبيعية.
لقد أثبتت التجارب، من كورونا والحرب على غزة إلى حرب ايران المشتعلة، أن الأردني يعيد اكتشاف وطنه كلما ضاقت الخيارات. لكن الرسالة اليوم أوضح: العقبة ليست بديلاً مؤقتاً، بل قيمة حقيقية تستحق أن تكون في مقدمة خياراتنا دائماً. فإقناع الأردني لا يكون بالخطط والبرامج، بل بتجربة صادقة تُعاش.
وما ذهبت به في هذا المقال ليس مجرد وصف، بل تنبيه للجميع: لدينا ما يفوق التوقعات، لدينا العقبة… حيث تتسع الحياة كلما ضاقت السماء.