الأخبار

اسماعيل الشريف : في عيد الأم.. أفكار مبعثرة

اسماعيل الشريف : في عيد الأم.. أفكار مبعثرة
أخبارنا :  

إلى أمي...
في عيدكِ، يا من غرستِ فينا حبَّ الوطن، وجعلتِ من صبركِ مدرسة، ومن دموعكِ نهرًا يغسل الحزن، كل عامٍ وأنتِ أغلى من كل عيد - زياد توفيق، شاعر وسياسي فلسطيني.
عندما ندخل منازلنا بعد أن نُلقي السلام ، نسأل دون تفكير: «وينك يُمّا؟». ليس مجرد سؤال عابر، بل نداء يبحث عن الأمان والدفء، عن الشوق والحب. إنها كلمة تختصر بحث الإنسان عن أجمل ما في الحياة.
لم يجعل الله سبحانه وتعالى الجنة تحت أقدام الأمهات عبثًا. عندما أراد رسول الله أن يبين لأصحابه مدى رحمة الله بعباده، حدّثهم بعد أن رأى امرأةً من السبي تبحث عن طفلها. فلما وجدته ألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لأصحابه: «أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟» قالوا: لا. فقال : الله أرحم بعباده من هذه بولدها.
مررتم بما سأقوله؛ فلدي أمّ وزوجة وأخت. رأيتهنّ يُخفين دموعهن حين يمرض الأبناء، ويُعلنّ دموع الفرح حين ينجحون. هكذا هي الأم: حين يصبح همُّ أبنائها همَّها، وأنفاسهم فرحتها.
في بلادنا أسطورة عن ابنٍ قتل أمَّه استجابةً لطلب محبوبته. حمل قلبها بين يديه ليدفنه، وبينما كان يركض تعثّر، فسمع صوتًا يناديه: «يا ولدي، هل أصابك أذى؟». ذلك هو الحب الوحيد في العالم الذي لا ينضب، حبٌّ يعطي بلا مقابل.
ولهذا فإن ما حدث ويحدث في غزة لا يقبله عقل. فالأمهات هناك لسن شهيداتٍ ومصاباتٍ وأراملَ ويتيماتٍ وثكالى فحسب؛ بل إن ثمة ما هو أشد وطأة: أمومة تُنتهك على شاشات التلفاز، على مرأى العالم كله. نتذكر أمَّ هند رجب وابنتها الصغيرة، خائفةً عالقةً في سيارة لساعات طويلة، وحيدة في الظلام بين الجثث. كان صوتها يخبو تدريجيًا حتى اختفى بعد أن أُطلقت عليها وحولها مئات الرصاصات. قالت والدتها: ما زلتُ أنتظر صوتها أنام وأحلم بعودتها.
نتذكر آلاء النجار، الطبيبة التي تعالج ضحايا الإبادة في مجمع ناصر الطبي في خان يونس، حين استُهدف منزلها وهي تؤدي واجبها في المستشفى، فاستقبلت زوجها وتسعةً من أبنائها شهداء، بينهم ابنهم الوحيد، وزوجًا مصابًا ما لبث أن استشهد لاحقًا. قالت: قتلوا عائلتي، لكنهم لم يقتلوا روحي سأظل أعمل.
هناك نبيلة الأغا التي دُفن طفلها تحت الأنقاض؛ ظنّت أنها تسمع أنفاسه، أو لعلها كانت تتمنى ذلك، فبدأت تحفر بيديها في الركام حتى تكسّرت أظافرها وتسلّخ الجلد عن كفّيها.
حتى في عالم الحيوان تقاتل الأمهات وحوشًا تفوقها قوةً وحجمًا إذا تعرّض صغارها للخطر، وتهجر الطيور أعشاشها إذا فقدت فراخها، وتبكي الفيلة صغارها عند موتهم.
أما هذا الجيش المجرم فيريد كسر إرادة الأمهات باغتيال أبنائهن.
في غزة رأينا الأمهات يحملن رفات أبنائهن في شوالات الأرز، ورأيناهن يمضين ذهابًا وإيابًا لا يدرين ماذا يفعلن، ونساءً يجُبن القطاع من شماله إلى جنوبه بحثًا عن أبنائهن المفقودين، وأمهات جائعات يموت أبناؤهن بين أيديهن.
تراهنّ منكسرات، ينهش الحزن قلوبهن وتغمر الدموع عيونهن، ثم ما يلبثن في اليوم التالي أن يشمّرن عن سواعدهن ويبدأن بتقديم العون للأطفال الآخرين اليتامى.
لم نفعل لهن شيئًا يا لعارنا. أيُّ فشلٍ إنساني هذا الذي يسمح لأمٍّ أن تصرخ بين الأنقاض، بينما نحن نتجادل حول الصبر الاستراتيجي، أو عمّا إذا كانت حماس قد أخطأت في السابع من أكتوبر، أو عن الذهاب إلى مجلس الأمن، أو صياغة بيانات القلق والشجب والاستنكار؟ لا يهمني شيء من ذلك. لا تهمني الأيديولوجيا ولا السياسة، ولا خطب المشايخ والساسة، ولا الجيوش والدبابات والطائرات، حين تُنتهك الأمومة ويُسلب من الأم أغلى ما تملك، حين تنزف بصمت أمام شاشات التلفاز أو تموت جوعًا ولا يفعل أحد شيئًا.
إذا كانت الجنة تحت أقدام الأمهات، فأجزم أن الجحيم تحت أقدام كل من خذل أمهاتنا في غزة. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك