د. صدام سليمان المشاقبة : إدارة الخطاب الإعلامي في زمن حروب الجيل السادس
تمثل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى نموذجا واضحا لما يعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ "حروب الجيل السادس"، حيث لم يعد الصراع مقتصرا على الاشتباك العسكري التقليدي، بل امتد ليشمل الفضاء السيبراني، والتكنولوجيا المتقدمة، والاقتصاد، وإدارة التحالفات الدولية، إضافة إلى الحرب الإعلامية وإدارة تدفق المعلومات. وفي هذا النمط من الصراعات تتداخل الأدوات العسكرية مع الإعلامية والتكنولوجية في منظومة معقدة، بحيث تتحول الرواية الإعلامية والتأثير النفسي إلى جزء من ميدان المواجهة.
صاغ مفهوم "حرب الجيل السادس" المنظر العسكري الروسي، البروفيسور فلاديمير إيفانوفيتش سليبشينكو، الذي أسس نظريته على فكرة "الحروب بلا تماس" والاعتماد على الأنظمة القتالية المستقلة، مثل الطائرات المسيرة، لاحقاً أعاد الجنرال فاليري جيراسيموف صياغة هذا المفهوم وتوسيعه، بدمج الأدوات العسكرية مع نظيرتها غير العسكرية في سياق حربي موحد. إلا أن الجوهر الأعمق لهذا التطور يكمن اليوم في "إدارة الإدراك"، حيث تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى مزيّف (Deepfake) وتوجيه الرأي العام. وبهذا، لم تعد الحرب مجرد صراع جغرافي، بل تحولت إلى معركة تخاض في الفضاء المعلوماتي بهدف تفكيك الجبهات الداخلية للخصم، وهو ما يتجلى بوضوح في الخطاب الإعلامي الموجه ضد إيران في النزاعات الراهنة.
فقد ركز الخطاب الإعلامي المضاد لإيران على مجموعة من الرسائل التي تستهدف التأثير في صورة القوة الإيرانية وتماسكها الداخلي، من بينها الحديث المتكرر عن أقتراب نفاد المخزون الصاروخي الإيراني أو تراجع قدراته العملياتية، إلى جانب تداول تحليلات تتحدث عن إمكانية تصاعد الاحتجاجات داخل المجتمع الإيراني أو ظهور انقسامات داخل النظام. كما جرى إبراز قضايا رمزية مثل تضخيم حادثة طلب خمس لاعبات إيرانيات اللجوء في أستراليا خلال مشاركته بالبطولة الآسيوية لكرة القدم النسائية، في محاولة لتقديم صورة إعلامية توحي بوجود أزمة داخلية أوسع.
في المقابل، سعت الرواية الإعلامية الداعمة لإيران إلى تقديم صورة مختلفة عبر التركيز على ما وصفته بالخسائر التي لحقت بإسرائيل أو بالقوات الأمريكية، وإبراز قدرة إيران على الاستمرار في المواجهة. كما جرى التأكيد إعلاميا على تماسك الدولة الإيرانية من خلال ظهور مسؤولين في الشارع الإيراني ومشاركتهم في فعاليات عامة، في رسالة تهدف إلى إظهار الاستقرار الداخلي. وإلى جانب ذلك، تم توظيف البعد الإنساني في الخطاب الإعلامي عبر التركيز على سرديات تتعلق بمعاناة الشعوب المتضررة من السياسات الأمريكية والإسرائيلية.
أما على المستوى المحلي، فقد برزت الرواية الأردنية الرسمية بوصفها نموذجا متوازنا في إدارة الخطاب الإعلامي خلال هذه الأزمة. فقد حرصت الدولة في الأردن على تقديم خطاب مسؤول لم يبالغ في تصوير الخطر بشكل يؤدي إلى بث الهلع، وفي الوقت ذاته لم يتجاهل التطورات الإقليمية. هذا التوازن أسهم في تعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسساته، لا سيما مع وجود ثقة مطلقة للرأي العام الأردني بالرسالة الصادرة عن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي)، حيث تُمثل بيانات الجيش المرجعية الأصدق والأكثر طمأنينة للمواطن في ظل ضجيج "حروب الإدراك".
كما عكست الإجراءات الأردنية الرسمية مستوى لافتا من الاحتراف، حيث جرى التأكيد على عدم تصوير أو تداول مشاهد الصواريخ أو التحركات العسكرية لما قد يحمله ذلك من أبعاد أمنية قد تستغل في "الحرب الرقمية". وإلى جانب ذلك، اتسم الخطاب الإعلامي الأردني بلغة عقلانية هادئة عززت تماسك المجتمع. ومن منظور مهني في الإعلام الرقمي، فإن هذه المقاربة تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة إدارة المعلومات في زمن حروب الجيل السادس، كما تعكس طبيعة الدولة الأردنية التي تمتاز بالصبر والحكمة، وهي خصائص مكّنتها من إدارة المشهد بكفاءة وجدارة، والحفاظ على استقرار الفضاء المعلوماتي الداخلي في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
– أكاديمي وصحفي