رمزي الغزوي : صنما القبيلة والكهف
إذا
كانت بعض الأوهام التي تتحكم في عقولنا مولدة في الخارج، أي في ضجيج السوق
أو من سلطة المسرح الفكري، كما تحدثنا يوم أمس؛ فإن بعض أوهام أخرى تقيم
في داخلنا. فالعقل الذي يتأثر بما يسمع ويرى، يحمل في الوقت نفسه ميولا
خفية تجعله يخطئ من تلقاء نفسه، حتى في غياب الضجيج والسلطات. وهنا تبدأ
أصنام جديدة في عملها الصامت.
لم
ير فرنسيس بيكون أن تضليل العقل يأتي من المجتمع وحده. فقد لفت الانتباه
إلى أوهام أعمق تنبع من طبيعة الإنسان نفسها ومن تجربته الفردية. أطلق على
أولها اسم "صنم القبيلة". وهذا ليس فكرة عابرة، إنما وصف دقيق للطريقة التي
يعمل بها العقل البشري. فنحن أبناء طبيعة واحدة تحمل نقاط ضعف مشتركة في
التفكير. فالإنسان يميل بطبعه إلى رؤية العالم أكثر انتظاما مما هو عليه،
ويبحث عن معنى خفي خلف كل حدث. يربط بين الوقائع بسرعة، ويستنتج نتائج
واسعة من شواهد ضيقة. ولهذا كثيرا ما نرى أن الناس يكتشفون أنماطا في
الفوضى، أو يفتشون عن نية مدبرة خلف كل مصادفة.
العقل
البشري لا يحب الفراغ، ولهذا يعمل على ملئه بالتفسيرات. وكل تفسير يترك في
الذهن أثرا يبدو مع الوقت كأنه حقيقة راسخة. ومع تكرار هذه العملية يتشكل
وهم واسع يتقاسمه الناس جميعا، وهم يظنون أنهم يرون الواقع كما هو.
ومن
صفات هذا الصنم أيضا أن الإنسان يجنح إلى تصديق ما يوافق رغباته بسهولة،
ويتعامل بحذر مع ما يناقضها. يبحث عن الأدلة التي تؤكد رأيه، ويغض الطرف عن
الأدلة التي تربكه وتزعجه وتخدش نتائجه. وهكذا يتحول العقل من أداة للبحث
عن الحقيقة إلى حارس أمين لقناعاته القديمة.
إلى
جانب هذا الصنم يقف "صنم الكهف". غير أن هذا الوهم لا ينتمي إلى طبيعتنا
المشتركة، إنما إلى عالمنا الفردي الخاص. فكل إنسان يعيش داخل كهف صنعته
نشأته وتجربته وقراءاته ومخاوفه وأحلامه. من داخل هذا الكهف ينظر إلى
العالم، فيراه عبر ظلال جدرانه.
ولهذا
لا يرى الناس الحدث الواحد بالطريقة نفسها. ما يبدو عند شخص دليلا واضحا
قد يبدو عند آخر أمرا مختلفا تماما. فنحن لا ننظر إلى الواقع عاريا، إنما
نكسوه بطبقات من تجاربنا وأحكامنا المسبقة. وكلما ضاقت جدران الكهف ازداد
العالم ضيقا في أعيننا.
لم تعد
الكهوف وفي زمننا الحديث مجرد صورة فلسفية. فقد صارت فضاءات رقمية مغلقة
يعيش فيها كل منا بين أصوات تشبهه وتكرر أفكاره. نقرأ ما يوافقنا، ونستمع
إلى من يشبهنا، فنشعر أن العالم كله يفكر بالطريقة نفسها. ومع مرور الوقت
يتحول الكهف إلى يقين كامل، وتغدو جدرانه حدودا لا نرى ما وراءها.
كان
بيكون يرى أن طريق المعرفة لا يمر عبر جمع المعلومات وحده، إنما عبر الشك
في الأدوات التي نفكر بها. فالعقل الذي لا يراجع تحيزاته يظل أسيرها،
والعين التي لا تشك في عدستها لن ترى العالم بوضوح.
وحين
نضع أصنام القبيلة والكهف إلى جانب أصنام المسرح والسوق يتضح لنا كم أن
الطريق إلى التفكير الحر طريق شاق. فالعقل ليس ساحة هادئة كما نتخيل، إنما
ميدان تعبره الأوهام في صور متعددة.