الأخبار

محمد ابو رمان : " الأمننة الإقليمية" بديلاً عن "الإطار العربي"

محمد ابو رمان :  الأمننة الإقليمية بديلاً عن الإطار العربي
أخبارنا :  

من التحولات البنيوية في السياسات العربية خلال المرحلة الراهنة تراجع واضمحلال مفاهيم سادت لعقود طويلة في العالم العربي، وفي مقدمتها مفهوم القومي العربي، وما ارتبط به من منظمات وأطر، وعلى رأسها جامعة الدول العربية، التي – بالرغم من ضعفها المزمن – كانت تمثّل مظلة سياسية ورمزية للدول العربية وإطاراً إقليمياً جامعاً لها، على ما بينها من اختلافات كبيرة.
يمكن القول إنّ ملامح هذا التحول بدأت منذ الربيع العربي، لكن نقطة الانعطاف الأبرز برزت مع الحرب الإسرائيلية على غزة، وما تلاها من تصعيد إقليمي. فمنذ تلك اللحظة، تكاد تتراجع المصطلحات والاعتبارات ذات البعد القومي العربي لصالح أطر إقليمية بديلة تقوم على التحالفات المرنة وشبكات التنسيق، ولعلّ أبرز هذه الأطر ما أصبح يُعرف بـ"المجموعة العربية-الإسلامية"، التي تضم بصورة رئيسية دولاً مثل السعودية ومصر والإمارات وقطر والأردن وتركيا وباكستان، مع حضور متغيّر لدول أخرى كإندونيسيا وماليزيا وأذربيجان تبعاً لطبيعة القضايا المطروحة. في المقابل، يكاد يغيب حضور جامعة الدول العربية بوصفها إطاراً فاعلاً في المشهد السياسي الإقليمي، في ظل صعود مفهوم "الأمن الإقليمي" بوصفه المحدد الرئيس للتفاعلات.
ثمة أسباب متعددة وراء هذا الانتقال في الديناميكيات والمفاهيم الأمنية الإقليمية، في مقدمتها أفول الأيديولوجيات والأنظمة ذات الخطابات القومية واليسارية التي شكّلت مراكز ثقل في مرحلة الحرب الباردة، مثل مصر الناصرية وسوريا الأسد وعراق صدام حسين، وتراجع الدور المركزي لهذه النظم في صياغة التفاعلات العربية. في المقابل، برزت قوى إقليمية غير عربية، منذ حرب العراق 2003 ثم الربيع العربي، لتصبح فاعلاً رئيسياً في الإقليم، وعلى رأسها إيران وتركيا، إلى جانب إسرائيل بوصفها مصدر تهديد تقليدي، لكن مع محاولات لإعادة إدماجها في ترتيبات الأمن الإقليمي، كما ظهر في مرحلة إدارة ترامب الأولى عبر الاتفاقيات الإبراهيمية ومشروعات التحالفات الإقليمية، قبل أن تتعرقل هذه المسارات مع الحرب على غزة وما تلاها من تحولات في العقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها.
اليوم أصبح مصطلح المشرق (The Levant) أو الشرق الأوسط الأوسع الإطار الأكثر حضوراً في تفسير الأمن الإقليمي، في ظل بروز مقاربات ترى أنّ هنالك تبايناً واضحاً في مصادر التهديد وأولويات الأمن بين أقاليم فرعية داخل العالم العربي، مثل شمال أفريقيا، والمشرق، والخليج. وقد نظّر بعض الباحثين في الخليج لفكرة وجود نظام أمني خاص به، منفصل نسبياً عن ديناميكيات الشرق الأوسط، يرتبط بالطاقة والاقتصاد والخصائص الديمغرافية، مع اعتبار إيران التهديد الرئيسي. غير أنّ هذه المقاربة تعرّضت لهزة كبيرة مع الحرب على غزة، ثم مع اتساع نطاق التفاعلات العسكرية، وصولاً إلى الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، بما كشف حدود الفصل بين هذه الأقاليم وأعاد التأكيد على الترابط البنيوي بينها.
المفارقة أنّ مفهوم الأمن الإقليمي نفسه ما يزال في حالة توسّع وإعادة تعريف. فلم تعد التحالفات تختزل في ثنائية "محور الاعتدال" مقابل "محور الممانعة"، كما في مرحلة 2006-2010، ولا حتى في الاصطفافات التي أعقبت الربيع العربي، ولا في مشاريع إدماج إسرائيل في المنطقة ضمن ترتيبات شبه مؤسسية. بل نشهد اليوم إعادة تشكيل أكثر سيولة وتعقيداً، تحاول بعض الأطراف – كما في خطاب بنيامين نتنياهو – توصيفها من خلال تقسيمات مثل "محور شيعي" و"محور سني راديكالي" وتحالفات أوسع تضم إسرائيل والهند ودولاً أخرى.
في مقابل ذلك، تشير الوقائع إلى توسّع الجغرافيا السياسية للإقليم بصورة غير مسبوقة. فإلى جانب إيران وتركيا، تدخل دول مثل باكستان وأذربيجان في أنماط من التنسيق السياسي والأمني، بينما تظهر الهند في الضفة المقابلة ضمن شبكات تعاون مع إسرائيل وبعض الدول الأخرى. وهو ما يعكس انتقال الإقليم من تعريف قائم على الهوية إلى تعريف قائم على شبكات التهديد والتنسيق.
في هذا السياق، يمكن القول إنّ ما نشهده هو عملية "أمننة إقليمية"، لا تقتصر على تحويل قضايا معينة إلى تهديدات وجودية، بل تمتد إلى إعادة تعريف الإقليم نفسه بوصفه فضاءً أمنياً مفتوحاً، تتحدد حدوده ووحداته وفق إدراكات التهديد والتفاعل، لا وفق الانتماءات التقليدية.
في الخلاصة، فإنّ الحرب على إيران لا تمثّل بداية هذه التحولات ولا نهايتها، بل تشكّل لحظة تكثيف لمسار أعمق يعيد تشكيل الإقليم. لم يعد الأمن القومي العربي هو الإطار الحاكم، كما لم تتبلور بعد صيغة بديلة مستقرة، بل نحن أمام مرحلة انتقالية تُعاد فيها صياغة الإقليم بوصفه شبكة أمنية معقدة.

مواضيع قد تهمك