اسماعيل الشريف : استراتيجية إيران
شجرة الصبر جذورها مرّة، لكن ثمارها حلوة حكمة إيرانية.
تبدو
تصريحات الساسة والعسكريين الأمريكيين بشأن الحرب مع إيران متفائلة؛ إذ
يؤكدون أنهم دمّروا الأسطول الإيراني وأضعفوا قدراته الصاروخية إلى حدٍّ
كبير. ووفقًا لما صرّح به وزير الحرب الأمريكي، فقد انخفض إطلاق الصواريخ
بنسبة 90% خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية. لكن هل يعني ذلك أن الولايات
المتحدة والكيان قد ينجحان في هزيمة إيران خلال الأيام أو الأسابيع
القليلة المقبلة؟
من الواضح أن
استراتيجية إيران في حربها مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تقوم على
مبدأ الحرب غير المتكافئة؛ فإيران تدرك تمامًا أنها لا تستطيع، بل لا
يمكنها حتى التفكير، في إلحاق هزيمة عسكرية بالولايات المتحدة في حرب
تقليدية. والسبب بسيط للغاية: إذ تبلغ الميزانية العسكرية الأمريكية نحو
886 مليار دولار، في حين لا تتجاوز الميزانية العسكرية الإيرانية خمسةً
وعشرين مليار دولار.
لهذا لا
تتطلع إيران إلى هزيمة الولايات المتحدة في ساحات القتال، بل يكفيها أن
تهزّ النظام العالمي الذي يدعم القوة الأمريكية، وهو نظام يقوم على ثلاث
ركائز أساسية: تدفّق النفط، وطرق الشحن، والنظام المالي العالمي. فإذا
اهتزّت هذه الركائز، تولّد ضغطٌ هائل على الولايات المتحدة قد يدفعها في
النهاية إلى إنهاء الحرب. وهذا هو الهدف الذي تسعى إيران إلى تحقيقه.
لقد
أدرك الإيرانيون هذه المعادلة منذ عقود، وبنوا عقيدتهم العسكرية على
أساسها؛ استراتيجية تقوم على استهداف نقاط ضعف الخصم بدل مواجهته مباشرة.
لذلك ترتكز الاستراتيجية الإيرانية على ثلاثة أعمدة رئيسية: إغلاق الممرات
المائية، والاستخدام الواسع للطائرات المسيّرة والصواريخ، وإرباك الاقتصاد
العالمي باستهداف النفط.
يُعدّ
بحر العرب أحد أهم شرايين العالم الحيوية، ويقع فيه مضيق هرمز الذي تسيطر
عليه إيران، ويمرّ عبره نحو 20% من نفط العالم و30% من الغاز المسال. ولا
تحتاج إيران إلى ضرب السفن المارة لإغلاقه؛ بل يكفيها أن تزرع الخوف. وأول
من يتأثر بهذا الخوف شركات التأمين، التي قد تتوقف عن تأمين السفن العابرة
للمضيق، ما يدفع شركات الشحن إلى وقف إرسال سفنها، إذ إن السفن لا تبحر من
دون تأمين.
وخلال ساعات فقط،
ستتفاعل أسواق النفط لترتفع الأسعار في ظل شحٍّ في الكميات المتاحة. وقد
تلجأ الدول إلى ضخ كميات من النفط من احتياطياتها الطارئة، فيما ترتفع
أسعار مختلف سلاسل الإمداد الممتدة من آسيا إلى أوروبا. وهكذا تصبح الأسواق
أفتك من الصواريخ.
أما
الاستراتيجية الثانية التي تنتهجها إيران فتتمثل في استنزاف الولايات
المتحدة والكيان ماليًا عبر الفارق الكبير في كلفة السلاح المستخدم؛ إذ
تتراوح تكلفة الطائرة المسيّرة الواحدة بين 20 و50 ألف دولار، في حين قد
تصل كلفة الصاروخ الاعتراضي إلى نحو مليوني دولار. وهكذا، حتى عندما تنجح
عملية الاعتراض، تبقى عملية مكلفة تستنزف الموارد؛ فأسراب الطائرات
المسيّرة لا تُرهق أنظمة الدفاع عسكريًا فحسب، بل تثقلها ماليًا أيضًا.
وتدّعي
إيران أنها تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، غير أن الصورة
أكثر تعقيدًا من ذلك؛ إذ إن استهدافها لدول المنطقة يوقف انتاج النفط
وبالتالي يرتفع سعره فيضر الاقتصاد العالمي الذي سيضغط على الولايات
المتحدة، وكذلك يحقق ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ "فخّ
التحالفات"، وهي الحالة التي تضطر فيها قوة عظمى إلى دخول حرب دفاعًا عن
حلفاء أضعف منها. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك دخول ألمانيا الحرب العالمية
الأولى نتيجة تحالفها مع الإمبراطورية النمساوية، كما صعّدت الولايات
المتحدة تدخلها في فيتنام بعد التزامها بالدفاع عن فيتنام الجنوبية.
تواجه
القوات الأمريكية اليوم المعضلة ذاتها؛ فالولايات المتحدة تمتلك قواعد
عسكرية في عدد كبير من الدول، ولديها حلفاء يعتمدون على حمايتها، ما قد
يضطرها إلى الرد في مناطق متعددة وعلى جبهات مختلفة في الوقت نفسه. والخطر
هنا لا يكمن في الهزيمة العسكرية بقدر ما يكمن في التمدد الاستراتيجي
المفرط، الذي قد يرهق قدراتها ويضعف مواردها.
وتقدّر
الولايات المتحدة كلفة العمليات العسكرية اليومية بنحو مليار دولار، وهو
رقم هائل يشمل العمليات العسكرية وحدها، من دون أن يتضمن هذا الرقم التبعات
الاقتصادية للحرب على مستوى العالم. فكيف سيكون حال الاقتصاد العالمي إذا
استمرت هذه الحرب لأسابيع أخرى؟
ولعل
الكلمة الأدق هنا هي: الصبر. فهدف إيران، في نهاية المطاف، هو إطالة أمد
الصراع؛ لأن الوقت يولّد الضغط، والضغط قد يفرض في النهاية وقف الحرب.