أ. د. صلاح العبادي : المشهد المعقّد
يبدو بأنّ المشهد في إيران قد يزدادُ تعقيدًا؛ إثر تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتمسّكه بمواصلة الحرب على إيران، بعد أن جرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخوضها دون حسابات.
نتنياهو استغلّ مراوغة النظام الإيراني في المفاوضات غير المباشرة التي جرت مع واشنطن قُبيل هذهِ الحرب، التي تجاوزت الضربات العسكريّة السريعة صوب أهدافٍ إستراتيجيّة، إلى حرب دخلت في يومها الـ12 دون أن تخفَّ حدتها. ففي اليوم العاشر من الحرب وبعد أن اختارت إيران خليفة المرشد بعيدًا عن الأضواء خوفًا من أن يتحوّل إلى هدفٍ في حرب الاغتيالات، نزل الآلاف من أهالي أصفهان إلى الشوارع تأييدًا لاختيار مجتبى علي خامنئي مرشدًا أعلى في إيران خلفًا لوالده، ولم تمضِ دقائق قليلة حتى استهدفت غارةٌ جمعهم قرب ساحة نقش جهان، وهو ما يشير إلى أنّ الحرب لم تنتهِ في إيران ودخلت أيام جديدة بين ترقبٍ لما سيفعله مجتبى، وتوعد أمريكا وإسرائيل باستهداف الزعيم الإيراني الجديد.
خلال الأيام الماضية اتسعت رقعة الضربات المتبادلة، فطهران أرسلت منذ ساعات فجر اليوم الذي عيّن فيه المرشد الجديد دفعة صواريخ إلى تل أبيب، أدّت إلى خسائر بشريّة وماديّة، لتردّ على ذلك إسرائيل بضرباتٍ مكثفة استهدفت المقرّات الأمنيّة لقوات الباسيج والحرس الثوري الإيراني والشرطة، إضافة إلى ضرباتٍ مكثفة طالت البنيّة التحتيّة وسط إيران، واستهدفت منشأة لإنتاج محركات الصواريخ وعدّة مواقع لإطلاق صواريخ بالستيّة بعيدة المدى .
اقتصاديًا شهدت الأيام الماضية تقلباتٍ في سوق النفط بدأت مع ملامسة برميل خام برنت حد المئة وعشرين دولارًا للمرة الأولى منذ العام2022، قبل أن يعود مجددًا وينخفض تحت حاجز المئة دولار، مع تحذيراتٍ من موجة تضخم كبرى وتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي قد تطال العالم.
كما أنّ أسواق الأسهم العالميّة شهدت تراجعًا واضحًا وسط مخاوف أن تؤدي الحرب المتصاعدة على إيران إلى نقص إمدادات الطاقة وتعطّل الصناعات. هذهِ التطوّرات دفعت عددا من الحكومات لاتخاذ إجراءات طارئةٍ للحد من تأثير ارتفاع أسعار النفط على اقتصاداتها المحدودة. فكوريا الجنوبيّة وضعت خطّة لفرض سقفٍ لأسعار الوقود المحليّة لأول مرةٍ منذ نحو الثلاثين عامًا. كما أنّ الحكومة اليابانيّة طلبت من مواقع تخزين الاحتياطي النفطي الاستعداد لاحتمال السحب من المخزون، إذا تفاقمت أزمة الطاقة.
فيتنام هي واحدة من الدول الصناعيّة الأخرى التي تأثرت بأزمة الطاقة؛ فهي تخطط لإلغاء الرسوم الجمركيّة على واردات الوقود بهدف ضمان استقرار الإمدادات المحليّة. وفي بنغلادش أعلنت السلطات إغلاق جميع الجامعات وتقديم العطل الرسميّة في محاولةٍ لخفض استهلاك الكهرباء والوقود.
هذهِ التحركات تعكس القلق العالمي من تداعيات الحرب في منطقة الشرق الأوسط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالميّة.
يبدو أنّ دول خارج منطقة الشرق الأوسط ستتحمل كلفة حرب أميركا وإسرائيل على إيران، على الرغم من بعدها عن ساحة المعركة. فبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز:" الدولة التي بدأت الحرب قد لا تكون الأكثر تضررًا اقتصاديًا منها"، وهو ما يعني أنّ الولايات المتحدة ستتأثر بلا شك لكن بدرجة أقل بكثير مقارنة بأوروبا وآسيا، والسبب ببساطة الطاقة.
خلال العقدين الماضيين شهد الاقتصادي الأميركي تحولًا كبيرًا بفضل ثورة النفط الصخري التي جعلت الولايات المتحدة أكبر منتجٍ للنفط والغاز في العالم. منذ عام 2017 أصبحت أمريكا مصدرًا صافيًا للغاز الطبيعي، ومنذ عام 2020 أيضًا مصدرًا صافيًا للنفط. في المقابل تعتمد اقتصادات أوروبيّة كبرى مثل ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا بدرجةٍ كبيرة على استيراد الطاقة .
أمّا في آسيا فتعتمد دول مثل الصين والهند وكوريا الجنوبيّة بشكلً كبير على واردات النفط. والصين وحدها تستورد نحو 75% من احتياجاتها النفطيّة، ولأنّ أسعار النفط ارتفعت منذ اليوم الأول للحرب بشكلٍ جنوني ستدفعُ هذهِ الدول الكلّفة الاقتصاديّة الكبرى لحربٍ بعيدةً عنهم ولم يشاركوا فيها.
وعند الحديث عما شهده العالم من ارتفاعٍ لأسعار النفط على نحو تجاوز 30%، قبل أن تتراجع مكاسب النفط فور تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أشار فيها إلى قرب إنتهاء الحرب، لابد من الإشارة إلى جزيرة "خرج" الإيرانيّة التي يعالج عليها نحو 90% من النفط الإيراني، والتي غدت مثار الحديث عنها في سياق الحصول على مكتسبات الحرب. فصادرات النفط ستتوقف من هناك إذا سيطرت أميركا على ميناء الجزيرة، وهو ما قد يدفع طهران إلى مزيدٍ من الهجمات على البنية التحتيّة النفطيّة الإقليميّة.
موقع أكسيوس ذكر أنّ أميركا ناقشت فعلًا الاستيلاء على الجزيرة، التي تقع على بعد نحو ثلاثين كيلومترًا من الساحل الإيراني في الخليج العربي؛ إذ تعد إيران ثالث منتج للنفط في منظمة أوبك بحوالي 4.5% من إمدادات العالم؛ بواقع 3.3 مليون برميل يوميًا من النفط الخام.
كما أنّ خمس نفط العالم يمر عبّر مضيق هرمز، وبما يزيد عن 20 مليون برميل يوميًا.
استمرار هذهِ الحرب في الشرق الأوسط يهدد الاقتصاد العالمي بصدمة ركود. وفي ظل هذهِ الحرب؛ فإنه من المستبعد ضمان أمن حركة الملاحة في مضيق هرمز، بعد أن تراجعت حركة الملاحة عبّر المضيق بنسبة 90%، الأمر الذي جعل الرئيس ترامب يعلن عن خططٍ لتوفير حمايّة عسكريّة مواكبة لناقلات النفط والغاز لضمان مرورها عبّر المضيق.
في هذهِ المعركة فإن اقتصاديات دول العالم غدت خاسرة دون استثناء جرّاء الحرب وإن كانت لم تشارك بها.
كما أنّ إيران خسرت على الصعد كافة، بما في ذلك مصداقيتها أمام العالم وهيبتها أمام شعبها، بعد أن تبين أنّ ما تقوله على الملأ وفي المحافل الدوليّة يتناقض مع أفعالها وممارساتها السياسيّة، وهي تستخدم الازدواجيّة في لغة خطابها السياسي الذي كشف مفارقات سياسيّة مختلفة؛ خلال ما يزيد عن أربعة قرون من محاولات تصدير الثورة الإيرانيّة لدول المنطقة، وصناعة الأذرع والوكلاء في دولٍ عدّة.
فهذهِ الحرب وفي يومها الـ12 فإنّ المواجهة الإيرانيّة الأميركية الإسرائيليّة ترفضُ الافصاح عن ملامح الاقتراب من النهاية.
* مدير مركز الرَّأي للدراسات والأبحاث
ــ الراي