الأخبار

الاب رفعت بدر : كيف يقرأ الكاثوليك في أميركا حرب اليوم؟

الاب رفعت بدر : كيف يقرأ الكاثوليك في أميركا حرب اليوم؟
أخبارنا :  

أثناء اطلاعي هذا الأسبوع على مقال تحليلي للكاتب Kevin Clarke، كبير المراسلين في مجلة أميركا الكاثوليكية، بعنوان:"A Catholic Guide to Understanding the War with Iran" (دليل كاثوليكي لفهم الحرب مع إيران)، توقفت عند الطريقة التي حاول بها قراءة الأحداث المتسارعة في منطقتنا في ضوء التعليم الأخلاقي للكنيسة الكاثوليكية. وقد بدا واضحاً أنّ ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن فهمه فقط بلغة السياسة والعسكر، بل يحتاج أيضاً إلى صوت الضمير الإنساني الذي يطرح السؤال الأعمق: هل تقود الحروب فعلاً إلى سلام، أم أنها تفتح أبواباً جديدة من الألم والتشريد وعدم الاستقرار؟

وبعد نشر صور لعدد من قساوسة الجماعات "المسيحية" الداعمة لليمين الأمريكي، وهم يصلون على رأس رئيس بلادهم في المكتب البيضاوي، يأتي هذا المقال "الكاثوليكي" المتزن، ليعيد التذكير بما يعرف في الفكر المسيحي بتقليد "الحرب العادلة"، وهو تقليد أخلاقي قديم تطوّر عبر قرون من التفكير اللاهوتي، لكنّه في جوهره لا يمنح شرعية للحرب بسهولة، بل يضع شروطاً صارمة للغاية قبل اللجوء إليها. فالحرب، بحسب هذا التعليم، لا يمكن تبريرها إلا في حالات محددة جداً، مثل الدفاع عن النفس، وبعد استنفاد كل الوسائل الدبلوماسية، ومع ضرورة حماية المدنيين وعدم التسبّب في أضرار تفوق الشر الذي يُراد منعه.

غير أن ما نشهده اليوم في المنطقة يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام هذه المعايير. فمع سقوط الضحايا المدنيين واتساع دائرة العنف، يبدو العالم مرة أخرى أمام واقع يذكّر بما وصفه القديس يوحنا بولس الثاني يوماً، أي قبل الحرب على العراق 2003، بأنّه "مغامرة بلا عودة".

ومن هنا جاء نداء البابا الأمريكي الأصل لاون الرابع عشر الذي دعا إلى وقف دوامة العنف، مؤكداً أن قادة العالم مدعوون إلى التخلي عن مشاريع الموت واختيار طريق الحوار والسلام، لأن السلام الحقيقي لا يُبنى بالقوة العسكرية بل بالعدالة والتفاهم بين الشعوب. هذا بعد اعتذار الفاتيكان عن قبول عضوية المجلس الجديد للسلام، وأعقبه تعيين دبلوماسي رفيع هو المطران غابرييل كاتشا ليكون السفير الجديد للكرسي الرسولي لدى واشنطن.

وفي الشرق الأوسط، حيث تعيش الكنائس المحلية في قلب هذه الأزمات، عبّر البطاركة الكاثوليك في لبنان عن قلقهم العميق من اتساع رقعة الحرب، داعين المجتمع الدولي إلى العمل الجاد من أجل وقف التصعيد، لأنّ استمرار العنف لن يجلب سوى المزيد من الدمار والتشريد لشعوب المنطقة. وكذلك فعل أساقفة دول الخليج العربي والعراق الذين وجهوا نداءات عاجلة من أجل السلام، محذّرين من خطورة انعكاسات أي تصعيد على المدنيين، ولا سيما العمال المهاجرين الذين يشكّلون شريحة واسعة من سكان المنطقة.

أما هنا في الأردن، فإن الكنائس تتابع هذه الأحداث بقلق كبير، لكنها ترفع في الوقت ذاته الصلاة بحرارة من أجل ديمومة الأمن والاستقرار في بلدنا الحبيب الأردن، الذي يشكل واحة أمان في منطقة مضطربة، وكلّنا ثقة بالحكمة السياسية والدبلوماسية التي يقود بها جلالة الملك دفة السفينة الأردنية، مسنودا بقوة الجيش العربي وبالأمن العام الذي يرشد المواطنين إلى كيفية التصرّف في لحظات الإنذار. كما نصلي من أجل سلامة الأردنيين الذين علقوا في الخارج بسبب الظروف الراهنة، كي يعودوا سالمين إلى عائلاتهم ووطنهم.

إنّ الحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها تنتهي دائماً بمعاناة إنسانية واسعة. ولذلك فإن المسؤولية الأخلاقية اليوم تقع على عاتق القادة وصنّاع القرار في العالم، لكي يختاروا طريق الحكمة والحوار قبل أن تتسع دائرة النار أكثر. فالشرق الأوسط، مهد الحضارات والديانات،ينبغي أن لا يبقى ساحة صراعات، بل يمكن أن يكون مساحة لقاء وتعاون بين الشعوب. وربما يكون صوت الضمير، وصلاة المؤمنين، في زمن الصوم المبارك، أحد أهم الجسور التي يمكن أن تقود عالمنا المتعب نحو سلام حقيقي.

Abouna.org@gmail.com

مواضيع قد تهمك