قصي حمدان الجمال : الأزمات… موسم الاحتيال المالي
في أوقات الحروب والأزمات الإقليمية، تتجه أنظار الناس عادة إلى التطورات السياسية والأمنية، غير أن جانبًا آخر لا يقل خطورة يتصاعد في الظل، وهو الاحتيال المالي. فالتجارب الدولية أثبتت أن فترات عدم الاستقرار تشكل بيئة مثالية لنشاط المحتالين، الذين يسعون لاستغلال حالة القلق العام وتسارع الأحداث لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
فعندما تسود حالة من التوتر وعدم اليقين، يتغير سلوك الأفراد والمؤسسات. يزداد الاعتماد على المعاملات الإلكترونية والتحويلات السريعة، وتنتشر حملات التبرعات والمساعدات الإنسانية، كما يتزايد تداول الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة قد يستغلها المحتالون بطرق متعددة ومتطورة.
تتنوع أساليب الاحتيال المالي في مثل هذه الظروف، إلا أن أبرزها يتمثل في عدة ممارسات شائعة.
أولها التصيد الإلكتروني، حيث يتلقى الضحايا رسائل نصية أو بريدًا إلكترونيًا يبدو وكأنه صادر عن بنك أو جهة رسمية، يطلب منهم تحديث بياناتهم أو إدخال رمز التحقق الخاص بحساباتهم. وبمجرد حصول المحتال على هذه المعلومات، يتمكن من الدخول إلى الحساب وتنفيذ تحويلات مالية غير مشروعة.
كما تنتشر خلال الأزمات عمليات اختراق الهواتف الذكية أو خداع المستخدمين للحصول على رموز التحقق (OTP) التي ترسلها البنوك لإتمام العمليات المالية. وفي بعض الحالات، يلجأ المحتالون إلى انتحال صفة موظفي البنوك أو شركات الاتصالات لإقناع الضحية بمشاركة هذه الرموز.
ومن الأساليب التي ظهرت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة استغلال حملات التبرع الإنسانية، حيث يقوم المحتالون بإنشاء صفحات أو حسابات وهمية تدّعي جمع التبرعات للمتضررين من الحروب أو الكوارث، بينما يتم تحويل الأموال إلى حسابات غير مشروعة.
كذلك قد يستغل بعض المجرمين حالة الارتباك في الأسواق لإنشاء شركات واجهة أو حسابات وسيطة بهدف تمرير تحويلات مالية مشبوهة أو تنفيذ عمليات احتيال تجاري، خصوصًا في ظل الضغط التشغيلي الذي قد تواجهه بعض المؤسسات خلال الأزمات.
مواجهة هذه المخاطر لا تعتمد على طرف واحد، بل تتطلب تعاونًا بين المؤسسات المالية والجهات الرقابية والعملاء.
فعلى مستوى الأفراد، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول. إذ يجب عدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق مع أي جهة، مهما بدت موثوقة، وعدم التفاعل مع الرسائل أو الروابط المشبوهة التي تطلب تحديث البيانات البنكية. كما يُنصح بالتأكد من صحة حملات التبرع قبل تحويل أي مبالغ مالية، والتعامل فقط مع الجهات الرسمية والمعروفة.
أما بالنسبة إلى المؤسسات المالية، فإن دورها يتمثل في تعزيز أنظمة الحماية الإلكترونية وتطوير أدوات الكشف المبكر عن العمليات المشبوهة، إضافة إلى رفع مستوى التوعية لدى العملاء حول أساليب الاحتيال المستجدة. كما أن تطبيق وسائل الحماية المتقدمة، مثل المصادقة متعددة العوامل وأنظمة مراقبة المعاملات، أصبح ضرورة أساسية للحفاظ على سلامة النظام المالي.
كذلك تضطلع الجهات التنظيمية والرقابية بدور محوري في تعزيز الضوابط والإرشادات التي تساعد المؤسسات على التعامل مع المخاطر المتزايدة خلال الأزمات، وضمان بقاء الأنظمة المالية قادرة على مواجهة التحديات.
فإن الأزمات لا تختبر فقط قدرة الدول على إدارة التحديات السياسية والأمنية، بل تكشف أيضًا مدى جاهزية الأنظمة المالية للتصدي للجريمة الاقتصادية. وفي ظل التطور المتسارع لأساليب الاحتيال، يبقى الوعي واليقظة والتعاون بين جميع الأطراف هو السلاح الأهم لحماية الأموال والحفاظ على الثقة في النظام المالي، حتى في أكثر الأوقات صعوبة.