الأخبار

اسماعيل الشريف : خُبث الصّهاينة

اسماعيل الشريف :  خُبث الصّهاينة
أخبارنا :  

«يجب سحقهم وتجويعهم، ومنع حتى الهواء من الوصول إليهم»، بن غفير.

لا تجد في سجلّ الشرّ البشري ما يُضاهي خبث الصهاينة؛ إذ يتجاوز فعلهم حدود الوسوسة والتحريض الذي يُنسب إلى الشيطان، لتتجلّى في صورة أكثر خطورةً وأعمق أثرًا: التخطيط الممنهج، والإرادة الراسخة، والتنفيذ الحاسم الذي لا يعرف التردّد.

ما سأعرضه عليكم في السطور التالية يتخطّى حدود التصوّر المعتاد؛ فهو من الخبث الدقيق بحيث يصعب إدراكه بادئ الأمر، ومن العمق الإجرامي بحيث يعجز حتى الخيال المظلم عن استيعابه.

يدّعي الصهاينة سماحهم بإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، فيما تَنصَبُّ جهود المنظمات الإنسانية على المطالبة بزيادة أعداد الشاحنات، والتفاوض حول الأوزان والسُّعرات الحرارية وكميات الوقود والمياه. بيد أن ثمة سؤالًا محوريًّا يغيب عن دائرة النقاش برمّته: ما طبيعة المساعدات الواصلة إلى المواليد الجدد؟ فحاجة هؤلاء لا تُقاس بمعايير الكمّ والحجم، بل تتحدّد في جوهرها بمعيارٍ أدقّ وأشدّ حساسية: التركيبة النوعية للغذاء.

بحسب شهادة الدكتور مارك برونر -طبيب الطوارئ الأمريكي القادم من ولاية أوريغون، الذي تطوّع في مجمّع ناصر الطبي وبات من أبرز الشهود الموثّقين على الانتهاكات المرتكبة في غزة- فإن حليب الأطفال بات يصل فعليًّا إلى القطاع. غير أن الخطر الحقيقي يكمُن فيما يبدو للمسؤولين البيروقراطيين مسألةً هامشية لا تستحق الاهتمام: تركيبة هذا الحليب تتغيّر بصفة دورية كل بضعة أسابيع. وما يُعدّ رقمًا إحصائيًّا باردًا في ملفات الجهات المعنية، يُمثّل بالنسبة للرضّع مسألة حياة أو موت.

أتذكر تلك المرحلة الدقيقة حين كان أطفالي في شهورهم الأولى من الحياة؛ إذ كان اختيار حليب الرضّع يستند إلى توصية طبية مدروسة، تُراعي الحالة الصحية لكل طفل ووزنه وخصوصيّته الجسدية، سواءٌ تعلّق الأمر بالحساسية الغذائية، أم الارتجاع، أم قصور الوزن، أم اضطرابات الجهاز الهضمي. وكان أي تبديل مفاجئ في نوع الحليب كفيلًا باستثارة اضطرابات هضمية مؤلمة، مما جعل الانتقال بين الأنواع المختلفة عملية تستوجب التدرّج والإشراف الطبي الحثيث.

إن الجهاز الهضمي للرضيع لم يبلغ نضجه الكامل، فضلًا عن محدودية احتياطياته من السوائل وهشاشة توازنه الفسيولوجي؛ لذا قد يُفضي أي تغيير مباغت إلى اختلال حاد في وظائف جسده، بل قد يتطوّر إلى مضاعفات بالغة الخطورة تنتهي بالوفاة. ويزداد المشهد قَتامةً حين يُضاف إلى ذلك انتشار سوء التغذية بين الأطفال والأمهات على حدٍّ سواء، حتى بات طفلٌ من كل خمسة أطفال في حاجة ماسّة إلى الرعاية الحثيثة في وحدات العناية المركزة.

وهنا يتجلّى وجهٌ آخر من وجوه الإبادة، أكثر خبثًا وأشدّ إحكامًا؛ إذ يستعرضون أمام المجتمع الدولي انفتاحهم على إدخال المساعدات، فيُرضون بذلك حُلفاءَهم المدفوعين بضغوطٍ شعبية متصاعدة، في حين يعملون في الخَفاء على غياب الاستقرار في هذه المساعدات وعدم الانتظام، فتبلغ النتيجة الغاية ذاتها: تعميق المأساة الإنسانية، ولا سيما ما يتجلّى منها في ارتفاع معدلات وفيات حديثي الولادة. وحين يُفارق طفلٌ الحياة، لن يُشار إلى اضطراب في نوع الحليب سببًا لرحيله، بل ستُستدعى تفسيرات متعددة تتكاثر حتى تُغيّب الحقيقة ويضيع السبب في فوضى التفاصيل.

يؤكد الدكتور برونر أن الجهة المسؤولة على علمٍ تام بضرورة توفير مصدر مستقر ومنتظم لحليب الرضّع، بيد أنها تُحجم عن ذلك عن سبق إصرار وتصميم. ويرى أن ما يجري لا يمكن إرجاعه إلى إهمال أو قصور عَرَضي، بل هو قرار ممنهج يصُبّ في خدمة هدفٍ واحد لا غير: النيل من مستقبل هذا الشعب عبر استهداف أكثر حلقاته هَشاشةً وأشدّها ضَعفًا.

لقد وقفنا من قبل على سياسات صُمِّمت صراحةً لتقليص النمو الديموغرافي للشعب الفلسطيني؛ سياسات وُثِّقت بمصطلحات باتت معروفة، كـ«جزّ العشب» و«قتل الأفاعي» في الإشارة إلى الاستهداف الممنهج للأطفال، وما يُشبَّه بـ«قتل الأرحام» في توصيف ما يتعرض له الأمهات من حرمان وعنف يحول دون استمرار الحياة. أما اليوم، فنحن أمام نمطٍ أكثر تعقيدًا وأشد مراوغةً؛ نمطٍ يُلبِس القتلَ رداء المساعدات الإنسانية، ويُدرج الإبادةَ في سجلات أرقام الشاحنات، فيبدو للناظر من بُعد كأنه تفصيلٌ إداريٌ لا أكثر، بيد أنه في جوهره مسارٌ آخر يؤدي إلى النتيجة ذاتها التي لم تتبدّل. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك