عماد داود يكتب : القفاز المخملي!
عماد داود
العبقرية لم تعد هبة سماوية، بل ساعة ذهبية تُعلق في صالون السلطة النخبوية الذهبية العالمية، بعقاربها المتوقفة عند لحظة المجد الدعائي، وقلبها الذي لا يدق إلا لتغطية صمت ما!
والقفاز المخملي لم يصافح العبقرية، بل اختطفها نحو ثقب أسود من نوع آخر، لا يبتلع الضوء بل الهيبة!
ستيفن هوكينغ لم يكن مجرد اختبار علمي، بل امتحانًا أخلاقيًا للقدرة على ارتداء القفاز المخملي الذي يفرضه النظام على العبقرية!، بينما الخطاب الرسمي لا ينهار، بل يتبخّر، والمؤسسات والهيئات العلمية، الأكاديمية، أو الإعلامية التي تمنح القداسة الرمزية لا تدافع، بل ترفع حاجب الدهشة، كأنها تكتشف للمرة الأولى أن القديس قد يكون مجرد زبون!
ما تغيّر هنا ليس الحقائق، بل جرأة السؤال الذي يكسر زجاج القداسة، والقدرة على مساءلة الأيقونات، وتحدّي التقديس المعلّب، وإظهار أن العبقرية لا تعني إعفاءً مطلقًا، وأن السلطة ليست محايدة في طريقة الاحتفاء بها.
المؤيدون يدافعون عن تمثال لا عن رجل! جاءوا بمناشف من حرير، مزّقوا العلاقة بين العقل والجسد، وقدموا العقل في طبق من بلور، ودفنوا الجسد في سلة التاريخ! صرخاتهم لم تكن حججًا؛ بل "تفسير فني" للقداسة الجديدة: انظروا إلى الانعكاس المذهب! لا تنظروا إلى القدم الواقفة في الطين..أو في (......) المخلل!
المعارض الجاد يتحدث في ممر فارغ، صوته صدى بلا جدران. حتى صمته يُحوّل إلى "موافقة ضمنية". الشارع، حامل الساعة الكرتونية، اكتشف المعادلة الأخيرة: الساعة الذهبية لا تدق، القفاز المخملي لا يخفي إلا فراغ اليد، والعبقري العظيم مجرد ديكور في بلاط السلطة. ضحكته تشريح نهائي لنظام باع القداسة بأبخس الأثمان!
الغرب الذي صنع الساعة والقفاز، يبدو كتاجر مخادع. يبيع القداسة المعلّبة، ويشترط أن تُغمض عينيك عن تاريخ الصنع!
العبقري المشلول لم يكن شاهداً على قدرة الإنسان، بل على قدرة النظام العالمي على تحويل العذاب إلى سلعة وهمية! المأساة ليست سقوط الأيقونة، بل أن نظام الأيقونات نفسه لم يسقط، وما زال قائمًا، ينتظر جسداً آخر ليُلبسه ثوب القداسة، ويُعلّقه في الصالون، ويوقفه عن دق الزمن الحقيقي!
الانهيار الذهبي ليس لرجل، بل لفكرة أن العقل يمكن أن يطفو فوق البشرية، وأن الإنجاز يمنح رخصة العبور فوق الأخلاق!
الساعة التي توقفت عن الدق لم تتوقف عن الكذب، والقفاز الفارغ لم يتوقف عن المصافحة، وكل ما بقي هو سؤال بسيط: من كان "يلعب"! على من طوال هذا الوقت؟
العالم الذي تركه هوكينغ لم يعد يقيس تقوس الزمكان، بل المسافة بين العبقرية المنزّهة والوحل الإنساني الأكثر ابتذالاً!
"أينشتاين عصرنا" سقط في ثقب أسود آخر، لا يبتلع الضوء بل الهيبة، حيث تحولت الكراسي المتحركة إلى مراكب في "أوديسة" سريالية من السخرية السوداء!
لم نحاكم رجلًا، بل أسطورة تآكلت في مختبرات "الميمز"!؛ حيث الفيزياء صارت لغة لوصف "البارافيليا" الكونية!
صمت المؤسسة العلمية، وتلعثم النخبة، غذّا غضب الشارع الذي وجد في السخرية سلاحًا وحيدًا!
الادعاءات تحولت إلى "كوميديا إلهية"؛ يُصور فيها هوكينغ كبطل مسرحية هزلية، يمتزج فيها الشلل الخماسي بالنشاط المحموم! والذكاء الخارق بالرغبة المبتذلة في مشاهدة أقزام يصارعون المعادلات!، حيث تتجلى سريالية هذا السقوط في تلك الصورة الذهنية التي باتت "أيقونة" للسخرية المريرة؛ مشهد الأقزام الذين يُدفعون قسراً لمواجهة معادلات فيزياء الكم على ألواح شاهقة لا تطالها قاماتهم!
هذه النكتة، برغم قسوتها، تختزل جوهر المأساة: سادية ذكاء لم يعد يكتفي بتجاوز حدود العقل، بل بات يجد لذه في رؤية "العجز" وهو يحاول عبثاً ملامسة "المستحيل"!
وهي أيضا، تعرّي النخبوية في أبشع صورها، حيث تتحول المعرفة من أداة لتحرير البشرية إلى وسيلة للتفنن في إذلالها؛ وحيث تصبح السبورة العالية رمزاً للفجوة السحيقة بين عقل يملك "الشيفرة" وأجساد محاصرة بضآلتها، لتتحول الفيزياء من علم كوني إلى لعبة ترفيهية سادية في فناء إبستين الخلفي!
هوكينغ أصبح رمزًا لتهاوي العقد الاجتماعي بين العقل والأخلاق، لم تعد فيه الفيزياء النظرية صافية، بل ملوثة بظلال الغواية! وتحول فيه هو نفسه إلى "ترند عالمي"، يسخر من حركته وسكونه، ومن صوته الاصطناعي الذي ينطق باعترافات مخجلة، وإعلان موت زمن "البطل المعصوم"!
الشارع يضحك: آخر حرية يمتلكها الإنسان، وأقصى مقاومة ممكنة، قبل أن تتحول الساعة الذهبية إلى نعش!، حيث لم تعد جاذبية السقوط في القوة، بل في القدرة على رؤية الحقيقة؛ وضحك العالم على صمت الساعات المعلّقة، وعلى القفاز المخملي الذي لم يصافح إلا الظل!