د. سليمان علي الخوالدة : الأردن وتكنولوجيا المستقبل: استشراف السيادة والتحول الاستراتيجي
في عصر لم تعد فيه حدود الدولة محصورة بالأرض، بل تمتد إلى فضاء البيانات والمعطيات الرقمية، يفرض التحول الرقمي نفسه كعامل استراتيجي حاسم يعيد صياغة السياسات الوطنية وصناعة القرار في الأردن. لم يعد الحديث عن التكنولوجيا مجرد أدوات مساعدة، بل أصبح محورًا استراتيجيًا يحدد قدرة الدولة على الحفاظ على سيادتها، وتعزيز نفوذها الإقليمي، وتأمين مصالحها الاقتصادية والاجتماعية في ظل التحديات المتسارعة التي تشهدها المنطقة. في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الرقمنة على أنها خيار ثانوي، بل كرافعة سياسية مركزية قادرة على إعادة تشكيل قدرات الدولة الداخلية وتعزيز تأثيرها الخارجي في المستقبل التحول الرقمي يفرض على صناع القرار الأردني رؤية بعيدة المدى، إذ لم تعد الدولة قادرة على الاعتماد على أدوات الحكم التقليدية وحدها. أصبحت التكنولوجيا محددًا أساسيًا للقدرة على المنافسة والتأثير، وتشكّل فضاءً يتداخل فيه البعد السياسي مع المعرفة الرقمية. الحفاظ على السيادة الوطنية في هذا الفضاء يتطلب قدرة عالية على إدارة المخاطر المرتبطة بالاعتماد على أدوات رقمية متقدمة، وضمان حماية مصالح الدولة في بيئة إقليمية ودولية تتسم بالتقلب وعدم اليقين، مع استثمار التحولات الرقمية لتعزيز القوة السياسية والقدرة على التأثير. من منظور استراتيجي، تتيح الرقمنة إعادة تصور الدولة الأردنية على نحو يجعلها أكثر مرونة وديناميكية في صناعة القرار. فهي تمنح القدرة على التنبؤ بالمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وإعادة توزيع القوة الداخلية بطريقة تعزز النفوذ الوطني، وتعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. التحول الرقمي ليس مجرد تحسين للأداء الإداري، بل هو أداة لإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية، حيث تصبح الدولة قادرة على التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية باستراتيجية استباقية. الرقمنة توفر إمكانية صياغة سياسات متكاملة تستند إلى معطيات دقيقة، تربط بين الأمن الوطني، القوة الاقتصادية، والسياسة الإقليمية، ما يجعلها أداة حقيقية لتعزيز السيادة الوطنية. النجاح في هذا المسار يعتمد على تبني نهج تحليلي واستراتيجي يدمج بين المعرفة التقنية والفهم السياسي العميق، بحيث يتحول التحول الرقمي من مجرد وسيلة تقنية إلى قوة استراتيجية قادرة على إعادة رسم موازين القوة الداخلية والخارجية. في نهاية المطاف، المستقبل سيكون لمن يمتلك القدرة على تحويل تكنولوجيا المستقبل إلى قوة استراتيجية حقيقية. أمام الأردن فرصة لإعادة تعريف مكانته الإقليمية وتعزيز سيادته الوطنية، ليس بالاعتماد على الموارد التقليدية فقط، بل من خلال تبني رؤية استراتيجية متقدمة تمكنه من قراءة التحولات القادمة، وصياغة سياسات وطنية قادرة على مواجهة تحديات العصر بثقة وحنكة، مع جعل التكنولوجيا رافعة للنفوذ السياسي والتأثير الاستراتيجي في المنطقة