محمد ابو رمان : أحمد عبيدات.. هو الاستثناء!
ما هي السمة أو القيمة المهمة والكبرى التي تمتع بها الراحل الكبير، أحمد عبيدات، وجعلته نموذجاً استثنائياً ومختلفاً في المشهد السياسي الأردني اليوم؟ ما هي الفكرة التي يمثلها التي جعلته حالة فريدة إذ يحظى في الشارع بتقدير واسع، وفي أوساط النخب السياسية – المؤيدة والمعارضة للحكومات- يحظى باحترام شديد؟
ما نراه من احتفاء بالرجل في مواقع التواصل الاجتماعي نادراً ما يحصل عليه شخصية سياسية أخرى، بالرغم من أنّه عمل في مواقع مختلفة، قد تبدو لوهلة متناقضة، لكنها ضمن الإطار النموذجي له – أي عبيدات- هي مواقع متناغمة ومتكاملة ومرتبطة ببعضها، لا تناقض إلاّ في المفهوم القاصر للدولة ومصالحها سواء لمن هم في مربعات الحكومات أو مربعات المعارضة السياسية.
نعم، كان عبيدات مديراً للمخابرات ورئيساً للوزراء وعضواً في مجلس الأعيان وكان ضمن القيادات المهمة في الدولة في محطات ومراحل انتقالية، وفي المعارضة السياسية، بل زعيماً لها من خلال الجبهة الوطنية للإصلاح عندما اختلفت توجهات الحكومات المتعاقبة وسياساتها مع خياراته السياسية ومع قناعاته، لم يتلون، ولم يغير مواقفه وآراءه واتجاهاته ولم يتقلب في الحياة السياسية بحسب مصالحه الشخصية، بل بقي صامداً على أفكاره، مفضلاً في مراحل أخرى أن يكون في ظل المشهد، لا متصدراً له طالما أنّه لا يتفق مع تلك المرحلة.
ربما ذلك ما يفسّر لنا قيمة الرجل ومكانته التي وصل إليها سياسياً وشعبياً، في وقت تلاقي فيه النخب السياسية أشد أنواع النقد والهجوم الشعبي والسياسي، بقي هو وكأنّه محصّن من هذه الحملات، ليس لأنّه محمي بقانون أو بقوى معينة، بل لأنّه نموذج مختلف يصعب الهجوم عليه من أحد، وإن كان حقاً لكثير من السياسيين والإعلاميين أن يختلفوا مع توجهاته وربما ينقدونه، لكن الهيبة التي حصل عليها من قبل الرأي العام، والزعامة السياسية التي حظي بها في قلوب الجميع جعلته رقماً صعباً لا يجرؤ أحد أن يقترب منه، ورفعته بعد رحيله إلى مرتبة الرموز التاريخيين مثل؛ وصفي التل وسليمان النابلسي وهزاع المجالي وهذه الشخصيات الخالدة في قلوب وعقول الأردنيين، ومن القلة القليلة التي يعرف بها جيل الشباب اليوم من «رجال الدولة».
المصداقية والشجاعة والرجولة والنزاهة المالية والسياسية هي القيم التي جعلت من عبيدات رجل دولة من طراز رفيع ونادر، فهم الموقع السياسي، حتى وهو في أعلى مراتب السلطة، ليس بوصفه وظيفة إدارية، بل دور مهم، وأتقن مهمته في كل مرحلة عمل بها، والتزم بمواقفه السياسية والفكرية ولم يغيّر، وبالرغم من أن الفترة التي كان فيها رئيساً للوزراء لم تعمّر طويلاً، إلاّ أنّ بصمته فيها لا تزال إلى اليوم بعد 40 عاماً، ويكفي أنّه كان رئيساً للوزراء بما للكلمة من معنى ودلالة وقيمة دستورياً وسياسياً..
لم ينفصل عبيدات يوماً عن الدولة بل كان معها ومن رجالها، حتى وهو خارج أسوار السلطة السياسية، وقد كان رئيساً للجنة الميثاق الوطني، الذي لا يزال حتى اليوم يمثل مرجعية مهمة في التوافق الوطني بين القوى السياسية المتعددة، بما يشمل تجسيد الهوية السياسية والاقتصادية والثقافية للبلاد، وكان رئيساً لمجلس أمناء المجلس الوطني لحقوق الإنسان في بدايته ومنحه مصداقية وقوة، وهكذا لم يكن في أيّ مكان عمل به إلاّ نموذجاً على القيادة والموقف والشجاعة، طالما أنّه يعمل لصالح الدولة والوطن ويؤمن بثوابته ومصالحه العليا، فلماذا يتردد أو يخاف أو ينكص؟! هذه هي العلامة المسجّلة لعبيدات في الحياة السياسية الأردنية .