د. سلطان المعاني : الوثائق السرية وآلية الإفراج عنها
يُقاس نُضجُ الدول بقدرتها على تحويل ما استودعته خزائنُ السرّ إلى معرفةٍ عامة حين يهدأ الخطر، وحين تتبدّل أولويات الحماية إلى أولويات الفهم والمساءلة. وتستند السرّية، في أصلها، إلى تعريفٍ إداري وسياسي لما يُعدّ مادةً حسّاسة تمس الأمن، أو شبكة العلاقات، أو مصادر المعلومات، أو طرائق صنع القرار. ثم يتحرّك الزمن، فتغدو الوثائق نفسها جزءًا من ذاكرة الدولة، وجزءًا من حق المجتمع في أن يقرأ تاريخه القريب بعينٍ أقل انفعالًا وأكثر قدرةً على التفسير.
تتباين مدد رفع السرّية بين الأنظمة السياسية، وبين القطاعات داخل الدولة الواحدة. وتظهر في العادة مدد معيارية تتداولها المؤسسات، خمسٌ وعشرون سنة، ثلاثون سنة، خمسون سنة، وتمتد أكثر حين ترتبط الملفات بمصادر استخبارية، أو تفاوض دبلوماسي، أو نزاعات ممتدة، أو حماية أشخاص ما زالوا ضمن مسار المخاطر. وتنهض مؤسسات رسمية متعددة بهذه المهمة، مثل دور الأرشيف الوطني، ولجان المراجعة، والوزارات ذات الطبيعة السيادية، وأجهزة الاستخبارات، ووحدات حفظ السجلات في الجيوش، إضافة إلى القضاء الإداري حين تتحول الإتاحة إلى نزاع. ويظهر في العمق ميزانٌ واحد يفرض حضوره: منفعة المعرفة العامة في مقابل ضرر النشر المحتمل.
يُثمر رفع السرّية حين يُعامل الأرشيف كمختبر للتاريخ القريب. وتُقرأ محاضر الاجتماعات، والمراسلات، وتقارير اللجان، بوصفها مادةً تكشف هندسة القرار، وتوضح مسارات الإدارة، وتُظهر تداخل المصالح، وتضيء منطق الدولة في لحظات الاختبار. وتكسب الديمقراطية من هذا المسار مكسبًا مباشرًا، لأن الوثيقة المتاحة تُرسّخ فكرة قابلية السلطة للفحص بعد انقضاء الحاجة الأمنية، وتمنح المجتمع قدرةً على تحويل التجربة إلى إصلاح. وتكسب الفئات المتضررة في ملفات بعينها مساحة اعتراف، لأن السجل الرسمي يفتح نافذةً على حقائق كانت محجوبة، ويمنح الإنصاف الرمزي سندًا يتجاوز الانطباعات.
تتسلل، في المقابل، ظاهرة توظيف الوثائق في صراعات السياسة والإعلام. ويظهر الإفراج الانتقائي حين تُنشر أجزاء محددة دون سياقها الكامل، في توقيت محسوب، ومع عناوين تصوغ القراءة سلفًا. ويظهر التسريب الموجَّه حين تخرج المادة من مسارها المؤسسي إلى منصات إعلامية أو شبكات اجتماعية، فتتحول الوثيقة من مادة معرفة إلى أداة تأثير. ويظهر التعريض والتشهير حين يُقتطع سطر من ملف طويل، أو تُعرض مراسلة على أنها إدانة نهائية، أو تُحمّل عبارة إجرائية قيمة لا تحتملها. ويزداد هذا الخلل مع البيئة الرقمية السريعة التي تُكافئ الصدمة، وتُسرّع النشر، وتضعف فرص التدقيق الهادئ.
يُساعد التمييزُ بين الإفراج المؤسسي والتسريب العابر على حماية الوعي العام من الانجرار. فالإفراج المؤسسي يمر غالبًا بمراجعات، وترافقه بيانات تعريفية، رقم ملف، تاريخ إتاحة، إشارات إلى الحذف أو التعتيم لحماية ما يقتضي حماية، كما يظهر ضمن سياسة معلنة أو قرار أرشيفي أو حكم قضائي. أما التسريب فيفتقر عادةً إلى سلسلة حيازة واضحة توضّح مسار الوثيقة من لحظة إنتاجها إلى لحظة نشرها. وتُعد سلسلة الحيازة معيارًا حاسمًا في تقدير الموثوقية، لأن العبث يزداد حين تغادر المادة مسارها الرسمي، حذفًا، إضافةً، تركيبًا، إعادةَ تنسيق، وصولًا إلى اصطناع كامل، خصوصًا مع أدوات توليد النصوص والصور التي تمنح التزييف هيئةً مقنعة.
تتطلب القراءة المتزنة، حين تتداول المنصات مادة تُسمى وثائق، قواعد عملية واضحة. ويقتضي الأمر تثبيت الانفعال، ثم فحص الأصل، التوقيع، الختم، بنية الصياغة الإدارية، تسلسل الصفحات، تواريخ المراسلات، الجهة المنتجة، الجهة الحافظة، الجهة التي أتاحت النشر. ويقتضي المقارنة مع مواد أخرى متصلة، لأن الوثيقة المفردة تمنح صورة مبتورة. ويقتضي قراءة التعتيم أو الحجب الجزئي كإشارة إلى مراجعة أمنية أو قانونية، لا كتعويذة جاهزة لتفسير كل شيء. ويقتضي الانتباه لتوقيت النشر، لأن السياسة تجيد اختيار اللحظة التي تعظّم الأثر.
تتحمل المؤسسات مسؤولية ضبط هذا المجال: إعلان سياسات الإتاحة، شرح درجات التصنيف، توفير أدلة تساعد الجمهور على فهم السياقات الإدارية، فتح مسارات تظلم حين يصيب النشر غير المنضبط سمعة أفراد، وتفعيل حماية الخصوصية حين تحتوي الملفات تفاصيل شخصية. ويتحمل الإعلام مسؤولية موازنة حق الجمهور في المعرفة مع حق الأفراد في الإنصاف، عبر تقديم السياق، وتمييز ما ثبت مما يحتاج تحققًا، وتجنب لغة الإدانة المسبقة.
تقوم خلاصة المسألة على معادلة دقيقة: تُفيد السرّية حين تحمي المجتمع في لحظات الخطر، وتُفيد الإتاحة حين تحمي المجتمع من تعسف السلطة بعد انقضاء الخطر. وبينهما مساحة رمادية يكثر فيها التوظيف، وتستدعي يقظة مؤسسية، ووعيًا نقديًا لدى الجمهور، وأخلاقيات مهنية لدى الوسطاء. وعند اكتمال هذا التوازن يغدو الأرشيف ذاكرةً حيّة تُنير، وتغدو الوثيقة شهادةً تمنح التاريخ قيمةً معرفية، وتحمي الناس من تحويل حياتهم إلى مادة للتشهير.