الأخبار

اسماعيل الشريف : القواعد الأمريكية

اسماعيل الشريف : القواعد الأمريكية
أخبارنا :  

لا يوجد عمق استراتيجي، ولن تتمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على هذه القواعد - فرانك ماكنزي.

يُعدّ الجنرال فرانك ماكنزي أحد أبرز العقول العسكرية في العالم؛ إذ شغل سابقًا منصب قائد القيادة المركزية الأمريكية، ويعمل حاليًا مديرًا تنفيذيًا لمعهد الأمن العالمي والقومي في جامعة جنوب فلوريدا، ومديرًا تنفيذيًا لمركز فلوريدا للأمن السيبراني، إلى جانب دوره مستشارًا في المعهد الأمريكي اليهودي للأمن القومي (JINSA) وقد كان ماكنزي المهندسَ الرئيس لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق، وبعد مغادرته منصبه تحوّل إلى أحد أهم المحاضرين والخبراء في التحديات الاستراتيجية التي تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، في ظل التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة، وهو ما جعل تصريحاته تحظى باهتمام واسع من وسائل الإعلام.

يرى ماكنزي أن القواعد الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط تفتقر إلى العمق الاستراتيجي، أي إلى وجود مناطق عازلة أو خطوط دفاعية ممتدة قادرة على امتصاص الهجمات أو صدّها، بما يسمح بتبنّي استراتيجيات رد مرنة وفعّالة. وفي المقابل، تمتلك إيران وحلفاؤها في المنطقة منظومة صاروخية ضخمة ومتقدمة، قادرة بسهولة على استهداف هذه القواعد، ما يجعلها مكشوفة وعُرضة للضرب في أي تصعيد واسع أو حتى محدود.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تمتلك قدرات تدميرية هائلة، فإنها وفق ماكنزي تُخفق في حسم الحروب، لا سيما ضمن مفاهيم الحرب الحديثة. ويستشهد على ذلك بعجز الأساطيل الأمريكية عن التصدي للحوثيين، وكذلك بفشلها في منع حلفاء إيران من استهداف القواعد الأمريكية في العراق بالصواريخ، في مشهد يعكس محدودية التفوق العسكري التقليدي أمام أسلحة الحروب الحديثة.

وانطلاقًا من هذا الواقع، يخلص ماكنزي إلى أن الولايات المتحدة لن تتمكن من الحفاظ على هذه القواعد على المدى الطويل، في ظل تصاعد الأعمال العدائية ضدها من قبل ميليشيات وقوى إقليمية، إلى جانب تنامي المقاومة السياسية الداخلية في دول المنطقة، وازدياد المشاعر الشعبية المعادية للوجود الأمريكي، وهو ما يشكّل خطرًا حقيقيًا ومباشرًا على سلامة الجنود الأمريكيين. لذلك يدعو إلى إعادة النظر في حجم الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وتعزيز الاعتماد على الأدوات الدبلوماسية، وتوسيع دور الحلفاء الاستراتيجيين بدل الارتهان إلى الانتشار العسكري المباشر.

وقد جاء طوفان الأقصى ليؤكد، عمليًا، صحة هذه القراءة؛ إذ استطاعت الولايات المتحدة، إلى حدٍّ كبير، اعتراض الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى بفعل عامل المسافة، لكنها أخفقت في التصدي للصواريخ قصيرة المدى التي استهدفت قواعدها، خاصة بعد أن قامت الصواريخ والمسيّرات بضرب الرادارات وأجهزة المراقبة وتعطيلها، ما قلّص فاعلية منظومات الدفاع المتقدمة.

لقد تغيّر العالم، ولم تعد الطائرات وحدها معيار التفوق العسكري؛ فالمسيّرات والصواريخ باتت تضاهي قدراتها بكُلف منخفضة جدًا، وأصبحت قادرة على تهديد، بل وتحـييد، أكبر البوارج والأساطيل. وربما يفسّر هذا الواقع، إلى جانب أسباب أخرى، امتناع الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة عن الإقدام على توجيه ضربة مباشرة لايران، رغم امتلاكها القوة، في عالم لم تعد فيه القوة وحدها كافية لضمان الحسم.

مواضيع قد تهمك